حلم يوم آخر

تنظر لهن ولا تراهن، مجرد سراب يلمع في الأفق البعيد، تسمع ضجيجهن لكن لا تميز ما يقلنه بدقة، تهز برأسها الصغير وكأنها تتابع أحاديثهن لكنها في عالم آخر بعيدة جدا عنهن. ساحة المدرسة فارغة من البشر والشجر والحجر ماعدا شجرة لوز صغيرة شقت طريقها على استحياء بين الحجارة الأسمنتية الصلدة في وسط الساحة. فجأة تشعر بوخز في ذراعيها، تغير في جسدها، تتقلص، ينبت لها ريش كثيف، منقار معقوف وأجنحة قوية طويلة. تتحول إلى نسر، تحلق في الفضاء تعلو وتعلو وتعلو حتى تصل إلى الشمس، تسرق بعض أشعتها، تخبأها تحت جناحها الأيسر ثم تهبط وتهبط، تحط في غابة من الغيوم، تقطف سحابة وتخبأها تحت جناحها الأيمن ثم تنزل وتحط على أعلى غصن في الشجرة. تعصر الغيمة وتلقم الأوراق الجائعة الماء ثم تمسح عيونها بالنور الذي أحضرته فتفيض الأنوار ويغمر الساحة والمدرسة كلها وتشرق الشمس فتكتسح الظلام وبسرعة خارقة تظهر براعم وأغصان جديدة وآلاف آلاف الأوراق الزاهية الشديدة الخضرة يراقصها الهواء على شدو البلابل التي تتخذ لها أعشاشا بين أغصانها ثم تزهر زهوراً جميلة من كل شكل ولون وبعدها تثمر ثم تتساقط الثمار وعند ذلك تقوم بجمع الثمار في سلة ثم……… فجأة تكلمها صديقتها منى فتنتبه وتتبدد الرؤيا: “ويش رايك نذاكر مع بعض للامتحان الشهري في الأحياء اليوم العصر؟” أجابتها بفتور: “زين، ما عندي مانع!!” وتبادر أمنية قائلة: “أنا بعد أبغى أذاكر معاكم ليتحسن مستواي!وأنت يا رؤى ويش رايك؟” أجابت رؤى: “أنا أمي ما ترضى إلا أذاكر بروحي، تقول إذا اجتمعن ويا بعض بس نسولف وما نذاكر.”

 

واصلت منى وأمنية ورؤى أحاديثهن المكررة: “أبلة الرياضيات هدى تسرع في شرح الدرس مثل المكينة ولا نفهم من كلامها شئ، أبلة الدين نورة تلبس نفس البلوزة ونفس التنورة كل يوم وتمشط شعرها بنفس التسريحة، أبلة الفيزياء سارة ما تجي الصف الا وريحتها طبخ يمكن تطبخ غذاهم قبل ما تجي المدرسة، أبلة الإنجليزي سوسن كلمات كثيرة تقولها غلط وتتكلم بسرعة في الحصة، المديرة منيرة شخصيتها ضعيفة ما تعرف تسوي شئ من غير المساعدة علياء، أصلا المساعدة علياء هي اللي تتحكم بكل شئ في المدرسة، المراقبة تـفتش البنات كل سبت وتحصل أشياء ممنوعة في شنطهم أو دروجهم أو جيوبهم مثل أمشاط وإكسسوارات وأحذية مخالفة وروج وأقلام كحل ومجلات وأحيانا كاسيتات أغاني وأشرطة فيديو، يقولون بعض هذه الأشرطة والمجلات فيها قلة أدب………..” تهز برأسها موافقة بدون تركيز وتكرر: “صح… صح…صح!!” كالمنومة مغناطيسيا أو كمن يهذي في منامه. فنفس الأسطوانة المشروخة تسمعها كل يوم حتى حفظتها عن ظهر قلب.

 

بعدها انتقلن للكلام عن الطالبات ملح الحديث: “فاطمة ومشاعل يحصلن على مساعدة مادية من المدرسة لأن أمينة السر في فصلهن سمعت المشرفة الاجتماعية أبلة سهير وقامت علمت ريم التي أخبرت علا وعلا أخبرت صديقتها نور التي أخبرت منى بذلك وشاع الخبر في كل المدرسة، وديما الأجنبية شاطرة لكن أنانية مرة ما تساعد أحد ولا تسلف دفاترها للبنات، زهرة راح تترك المدرسة يقولون أمها وأبوها تطلقوا وأبوها أخذها من عند أمها وراح يوديها مدرسة غير في مدينة ثانية علشان أمها ما تدري عنها وما تروح تشوفها، زينة الطالبة اللي جات بعد أسبوع من بداية الدراسة منقولة من المدرسة الثانوية الأولى شافوا قملة تمشي على شعرها ورائحتها خايسة يمكن ما تسبح الا في الشهر مرة، وحدث الموسم طبعاً شهد اللي تغيب كثيرا عن المدرسة يقولون أنطردت شهر لأنها شتمت المراقبة اللي شافت في شنطتها جوال كاميرا وأخذته منها وبعدين اتصلوا بأمها وكلمتها المديرة وقالت لها أدبوا بنتكم أحسن لكم وإلا راح نفصلها نهائي من المدرسة، و الطابور الصباحي .. …….”

 

وطبعاً لا يفوتهن الحديث في نشرتهن اليومية المفصلة عن أمور متفرقة أخرى: “سائق الباص أبو خالد يطالع البنات من تحت لتحت في المرآة الأمامية والجانبية، الفرَّاشة أم حسين دائما نايمة في غرفتها تتحجج أنها مريضة علشان ما تشتغل، أكل الكفتيريا يلوع الكبد، الزعتر فيه كيلو زيت، الفلافل وسخه وجدوا فيها صرصور وفطاير الجبن غالية يأخذونها الواحدة بريال ويبيعونها بريالين، الحمامات وسخة مره وبعض الأبواب مكسورة والماي دايما مقطوع ، يقولون في بنات سمعوا أصوات غريبة من المخزن اللي عند غرفة أبلة سهير يمكن فيه جن والساحة تـ……….”

 

انتشلتها على حين غرة من الاستمتاع بتأمل شجرتها العالية ضحكة مرتفعة انطلقت من الزاوية البعيدة حيث تستظل بشجرة لوز كبيرة هنادي بنت الحسب والنسب، تجلس مع شلتها تتأفف وتعلق وتنتقد كل شئ بلكنة أمريكية مميزة:

” Oh my God! Look at that girl over there! Look at her funny shoes! Poor thingiii! Or her oily hair! She’s disgusting!”

ثم تنطلق ضحكة سخرية مسعورة منها وتردد شلتها صدى ضحكاتها فهنادي لا يعجبها العجب ولا الصيام في رجب، تتأفف وتنزعج من كل شئ من الحر والرطوبة في الساحة وضجيج البنات وروائحهن وأكل الكافتيريا الذي لا يليق بمن تعودت على أكل مطاعم الوجبات السريعة شبس وهمبرجر ونجتز وبيتزا وبيبسي ولا تحوز فطائر وبسكويت وعصير الكافتيريا على إعجابها فتعلق : ” FOOD SUCKS!!”، تهزأ من البنات ومراييلهن البنية ذات الموديلات القديمة، شنط البنات الرخيصة وأحذيتهن البائسة وحتى أسلوبهن في الحديث. وعد وديما والعنود وشوق يلازمن هنادي كظلها ويقلدنها في سلوكها وطريقة كلامها وتسريحة شعرها وألوان دبابيس الشعر وتجليد الدفاتر ونفس الستيكرات وموديل الحقائب المدرسية وموديل الأحذية ولون الجوارب اللاتي يلبسنها. ودائما يتمشين مع بعض أثناء الفسحة ومكانهن المفضل عند شجرة اللوز التي في وسط الساحة لكي يتفرجن على الرايح والجاي ولا يقبلن بانضمام أية بنت غريبة للشلة أو أن يجلس غيرهن مكانهن. الشلة أطلق عليها في المدرسة اسم “الشلة الأمريكية”، لا تعلمن من أطلقت هذه التسمية عليهن، في البدء كن يتضايقن من ذلك واستأن جدا لأنهن حسبنها سخرية واستهزاء بهن لكن قد يكون سببها أن معظم آبائهن يعملن في شركة النفط أرامكو فوالد هنادي سنيور قديم ونائب رئيس دائرة أو لأن بنات الشلة يتحدثن الإنجليزية بطلاقة وبلكنة أمريكية تشبه ما يسمعنه في البرامج والأفلام الأمريكية في التلفزيون ومع مرور الوقت صارت “الشلة الأمريكية” تشعر بالفخر والاعتزاز بسبب هذه التسمية وأنهن أفضل من الأخريات.

 

انسلخت من الحوار الممل الدائر بين صديقاتها على قدم وساق ومن مراقبة هنادي وشلتها الأمريكية المثيرة للسخرية وتوحدت بشجرتها الشامخة الرأس وتفحصتها ورقة ورقة وتذكرت درس الأحياء، أجزاء النبتة: البذرة والجذر والساق والأوراق والأزهار، والثمار. اكتشفت في أحد دروس الأحياء أن الأوراق تتنفس الأكسجين مثل البشر. لكن هل تحلم الأوراق مثلهم، وبماذا ستحلم؟ هل ستحلم بالتربة أو بدرجة الحرارة أو الماء أو الشمس أو بفصل الخريف أم ستراودها صورة الفلاح الذي يرعاها ويسقيها ويهذبها أو قد يقسو عليها فيقطعها أو الأطفال الذين يركضون حولها ويلعبون وقد يختبأ أحدهم خلفها أثناء لعبة الغميضة أو العابرون الذين يستظلون بها بين محطات تجوالهم العديدة ويحكون لها قصصا وحكايات لا تعد ولا تحصى. ورغم أن المعلومات نفسها تتكرر في مادة العلوم في الابتدائي والمتوسط والآن في الثانوي لكن في كل مرة تنسى أجزاء الزهرة فتخلط بين الطلع والميسم والمتك والمتاع والتويج في التعريف والوظيفة وبين البذور ذات الفلقة والفلقتين، تحفظها للامتحان عن ظهر قلب ثم تكن نسياً منسياً بعد ذلك.

 

تفحصت أوراق شجرة اللوز ورقة ورقة، أوراق كثيرة بعدد أحلامها: أن تمتلك سيارة فاخرة مكشوفة يا حبذا تكون حمراء موستينج أو همر وقبل كل شئ أن يسمحوا لها بأن تقود سيارتها مثل أبوها وأخوتها الذكور، وأن يتقدم لخطبتها زوج ثري وسيم متعلم فتتزوجه وتنجب منه أطفال عشرة من الذكور وبنتان ويكون لديهم سائق فلبيني يقلهم للمدرسة ويفتح لهم باب السيارة وأن تحضر خادمة فلبينية تتحدث الإنجليزية جيدا تعتني بالمنزل وتربي أولادها وتحمل حقائبهم للسيارة وتخرج معهم للسوق، وقد تحتاج أكثر من خادمة وزوجها الثري سيلبي كافة طلباتها بالتأكيد، وأن تشتري ملابسا وشنطا وأحذية وإكسسوارات على أحدث موضة ومن ماركات عالمية وأن تدرس في جامعة توب في أمريكا وتتخرج ولديها البكالوريوس ثم الماجستير في هندسة الكمبيوتر ثم تعمل في شركة أرامكو في مكتب راقي، تسافر في كل إجازة صيف لسويسرا والنمسا، وأن يوافق والدها على أن تمثل في التلفزيون وتغني في ستار أكاديمي وأن تصبح فنانة مشهورة تتصدر صورها أغلفة المجلات.

 

وكلما سقت شجرة أحلامها تفرعت الأغصان وتكاثرت الأوراق، لكن على حين غرة حط على أحد الأغصان غراب أسود وبدأ ينقر بعض الثمار فراودها كابوس جثم على أنفاسها، ماذا لو تحققت كل أحلامها دفعة واحدة ماذا ستفعل؟ هل ستحلم أم هل ستتوقف عن الحلم؟ هل ستفقد القدرة على الحلم بعد ذلك؟ ماذا تفعل وهذه الأحلام أصبحت قوتها وخبزها اليومي؟ هل سيصيبها الجوع؟ أحلامها كانت ترافقها كل يوم للسرير وللمدرسة وفي الطريق والبيت، تؤانسها عندما تشعر بالملل والكآبة والإحباط فهل ستصير وحيدة؟ هل ستعيش غريبة؟ هل يجب عليها بعد أن تستحيل أحلامها واقعاً أن تكتفي بما حصلت عليه، أن تشعر بالرضا والقناعة فتبدأ باستخدام مانع للحلم أو واق عن الأحلام كما تفعل النساء لتجنب الحمل-كما قرأت في مجلة طبيبك؟ هل ستذبل شجرة أحلامها التي زرعتها وسقتها وتتساقط أوراقها ثم تشيخ وتموت؟ أم ستذبل الأوراق فقط في الخريف وتنمو أخرى خضراء زاهية في الربيع؟ أصابتها الحيرة والاضطراب وغزاها الخوف والقلق لأنها لأول مرة تفكر في ما بعد؟ ما هذا الذي يجري لها؟ هل بدأت تصبح واقعية كالكبار أو أصابتها عدوى أختها الممرضة والتي تكرر دائما: “لا وقت للأحلام!” وأمها التي تنصحها دائما: “كفاك أحلاما وذاكري دروسك أحسن، ترى هذي الأحلام ما تودي وتجيب وراح تضيعين مستقبلك!!”

 

نادتها صديقتها منى: “اللي ماخذ عقلك يتهنا به!! بتجين العصر بيتنا علشان نذاكر لأننا ذاكرنا عندكم المره اللي فاتت؟” ردت قائلة بصوت خافت ووجه شاحب ذابت ألوانه في ماء القلق وهزت برأسها موافقة: “زين ما عندي مانع!!الساعة كم أجي لك؟” ردت منى بحماسة: “أبكر أفضل علشان يصير فيه وقت نذاكر زين، ترى فصل النبات في الأحياء طويل مره”. رن جرس الحصة الرابعة معلنا انتهاء الفسحة فأغلقن باب الأحاديث التي لا تغني ولا تسمن من جوع وسارعن بشرب ما تبقى من عصير السن توب والتهام فطائر الجبن ليطفأن جوعهن وألقين العلب الفارغة مع باقيا الفطائر على الأرض ونفضن مراييلهن وتوجهن للفصل مسرعات حتى لا تراهن المراقبة.

 

جلسن في مقاعدهن، مسحت عريفة الفصل السبورة، وجهزت الطباشير ثم نفضت المساحة عند الباب فتطاير الغبار الأبيض فكحت هنادي التي تجلس في الصف الأول وتأففت كعادتها حتى أن أبلة الكيمياء نعيمة سمعتها عندما دخلت الفصل لكن الأبلة لم توبخها، فقط نظرت لها شزرا، بدأت الأبلة بالقول: “اليوم درسنا راح يكون عن البنزين، أتدرون لماذا سمي بالبنزين ما هو شكله وما هي مركباته وما أهميته؟ البنزين هو مركب عضوي سداسي حلقي به ستة ذرات من الكربون تتحد بذرات الأكسجين والهيدروجين، أسم من أكتشف هذا المركب بنزين والذي لم يعرف كيف يشكل هذا المركب الجديد وعندما كان نائما حلم بحية تتراقص أمامه وتعض بأنيابها على طرف ذيلها وبعد أن أستيقظ من النوم رسمه حلقيا كما رآه.

 

سرحت بعيداً تتراقص أحلامها أمام ناظريها على شكل حلقات خماسية وسداسية وسباعية وثمانية تتداخل أحيانا مع بعض مكونة أشكالاً خلابة وتصاميم رائعة ولأول مرة ترى مركبات حلزونية غريبة تزحف وتتعلق بأغصان شجرتها، يبدو إنه حلم يوم آخر….