لا جديد تحت الشمس في قدرستان

 قال شهريار يحدث شهر زاد عبر أحد برامج الشات في الإنترنت في الليلة الثانية بعد الألف: 

يوم أكثر من عادي في قدرستان. لا شيء جديد البتة. استيقظ قمر الزمان مبكرا في حوالي السابعة مساء وتصفح الجرائد اليومية: (أخبار قدرستان)، (الحقيقة)، (قدرستان اليوم). كافة الأحداث والمواضيع مستنسخة لكن صوره الملونة أضافت كثيرا من التألق والسحر على صفحاتها الصفراء. تناول فطوره في غرفة النوم ثم ولج غرفة المكتب بهمة عالية.  بدأ بممارسة عمله اليومي الشاق. أصدر كثيرا من الفرمانات. أنهكه التفكير بالنيابة عن رعيته. لا شيء يخالج نفسه سوى سبل تحقيق الرفاهية والسعادة لكافة أفراد شعبه فلا أحداً يماثله براعة ومهارة في إدارة شؤونهم العامة والخاصة فقد نذر نفسه لهم ولقضاياهم منذ اعتلائه العرش. 

وزعت الفرمانات الجديدة بالآلاف في قدرستان على وجه السرعة. ممنوع الوقوف في طوابير الخبز أو البنزين. ممنوع التجول في الأماكن العامة. ممنوع التمتع بإجازة نهاية الأسبوع. ممنوع خروج النساء من المنزل بدون محرم. ممنوع تناول الطعام بالملعقة والشوكة. ممنوع شرب المشروبات الغازية. ممنوع لبس الأحذية ذات الكعب العالي. ممنوع ركوب الطائرة. ممنوع استخدام الإنترنت... الخ. 

عندما أشرقت الشمس خلد قمرالزمان للنوم. اندس في فراشه الوثير. انزلق على ريش النعام. تدثر بأغطية الحرير. كانت رعيته تغط مثله في سبات عميق لأن آخر فرمان أصدره منعهم من النوم ليلاً. أما السلطانة قهرالزمان فلم يغمض لها جفن. شيء ما أقض مضجعها. أطلت برأسها من النافذة. كان ينتظرها بين الأشجار. ترددت ثم عزمت رأيها على أن تهتك الأستار وتغادر الأسوار بدون عودة. كانت قد اعتادت على أن تكتب مذكراتها حول ما يدور في القصر باستخدام كمبيوتر محمول صغير تخفيه في خزانة مجوهراتها. حفظت يومياتها على قرص اسطواني ممغنط. أخفتها تحت ردائها المذهب. لبست الكعب العالي ثم خرجت من بوابة الخدم الخلفية. 

تجولت في الحديقة لأول مرة في حياتها. استنشقت هواء الصبح العليل المضمخ برائحة البنفسج. أطلقت لشعرها العنان. ثم سلمت الأسطوانة لشخص وعدها بنشرها فيما وراء البحار لكنه فر بدون أن يصطحبها معه. رآها العسس فكبلوها على الفور في السلاسل والأغلال. وضعوها في الحبس تحت حراسة مشددة. اتهموهما بالتجسس لصالح الأعداء. توسلت إليهم أن يفكوا أسرها. أخبرتهم بأنها السلطانة قهرالزمان لكن لم يصدقها أحد وحسبوها مجنونة تنتحل شخصيتها. طلبت أن تقابل قمر الزمان لتدلي باعترافات خطيرة. وافقوا على مضض. 

عندما غربت الشمس استيقظ قمر الزمان من سباته. اسر الحاجب في أذنه ما حدث. انتفض واقشعر كمن أصابه مس. تفقد سريرها لكنه كان خاليا. سمح لها بمقابلته. جلس على كرسيه بعد أن ارتدى بذلته الرسمية.أمر الحاجب بأن يدخلها غرفة مكتبه. أمر الجميع بالانصراف. انكبت على قدميه تقبلهما. لم يرف له طرف. "أرجوك سامحني. أتوسل إليك أعفو عني." نظر إليها شزرا باحتقار شديد. "ماذا تريدين؟" أجابت: "أن أعترف بذنبي وأطلب منك العفو لما بدر مني. "لم يجبها. أدار وجهه فانتهزت الفرصة وتناولت مقص كانت تخبأه تحت سجادة فاخرة بجوار الباب. هجمت عليه فجأة كلبؤة من الخلف. قصت ظفيرته التي تدلت على ظهره. خر على الأرض مغشياً عليه. استلقت بجواره. ثم تجرعت السم الذي خبأته في فص خاتمها وأغمضت عينيها. تمرغت قدرستان بالأحلام الوردية تحت أشعة الشمس الدافئة لا يعكر صفوها شيء وسادت الطمأنينة والأمن وعم السلام والرخاء أصقاع البلاد. 

استيقظ قمرالزمان في مساء اليوم التالي منزعجا جداً وتفقد قهرستان. كانت تغط بجواره في سبات عميق. استدعى حاجبه على وجه السرعة وأصدر فرمانات عاجلة: ممنوع الأحلام في قدرستان، زيادة الضرائب على الدخل، زيادة رسوم الكهرباء والماء، ممنوع استيراد واستعمال وبيع الكمبيوترات وأقراص التخزين الممغنطة منعاً باتاً. 

وأدرك شهريار الصباح فسكت عن الكلام المستباح. سجل خروجه من برنامج الشات وأغلق حاسوبه.