لوثة الكلام

حدثتُ نفسي مبتهجة قائلة إنه عندما يسافر قد تتاح لنا الفرصة أن نتجاذب أطراف الحديث لمدة أطول، وليس كما الآن نَسْتَرِّقُ الفُرص عندما يحدثني باستعجال مستخدما أحد برامج التطبيقات على الجوال اثناء إدائه لبعض الأعمال اليومية.

في يوم ذهب يشتري الآيسكريم وكان يتحدث معي وهو ينتقي صنوف الآيسكريم ويسدد النقود، وفي يوم آخر اشترى جهاز تكييف وكنت أيضا على الخط حتى أتم الصفقة، وفي يوم ثالث كان يقابل زبونا ويناقشه في بعض أمور البيع والشراء، وفي يوم رابع ذهب للسوق ليبتاع حذاء رياضي رغم أنه توقف عن المشي منذ سنتين، وفي اليوم الخامس ابتاع عصيرا ليطفئ عطشه، وفي ما بين الذهاب والإياب يكون حديثنا متقطعا سريعا لاهثا برائحة عصير العنب والتفاح ونكهة آيسكريم الفراولة والشوكولاتة وبرودة جهاز التكييف. 

هو أيضا لديه ثلاثة خطوط هاتفية وجوالان وتطبيقي وتسب لكل جوال وتطبيقات هاتفية أخرى وعدد من وسائل التواصل الاجتماعي كالتويتر والانستجرام والسناب شات وغيرها تأخذ حيزا كبيرا من وقته. كذلك يمتلك علاقات شاسعة تراكمت عبر الزمان أكثر من أن تعد وتحصى، ينفض غبارها بين الفينة والأخرى عن طريق صباحيات وتسبية جماعية يومية في شبكة عنكبوتية مترامية الأطراف من العلاقات الاجتماعية.

لكن للأسف فقط تحدثنا في اليوم الرابع من سفره لأقل من خمسة دقائق وبعدها غزانا الصمت القاتل. هو يقول إنه لا يجد الوقت في خضم جدوله المزدحم وعند نهاية يومه الحافل يكون مرهقا ولا يستطيع الاتصال، وأنا أقول إنه ليس مهتما والله وحده يعلم. فقد يتذرع بالمشاغل والتعب لأن من يهتم يُرغم الفرصة أن تحدث، وعندما يكلم الخطيب خطيبته يخف التعب والنصب لا بل يسري شعور بالسكينة وتنبثق طاقة وجدانية وروحية من وقع كلمات المحبة والاتصال النفسي بالمحبوب.

 أخبرته في الماضي أكثر من مرة أن تواصلنا صار مستحيلا وهو يقول بالعكس إن المستحيل ممتع وشيق فهو تحدٍ يبعث الدفء وروح المغامرة ويكسر الرتابة، وأنا اقول إن المستحيل غير ممكن والله أعلم.

أصابتني خيبة أمل شديدة لشحة اتصالاته في سفره وتناثرت دموعي على وجنتيي، وتكسرت أحاسيسي حمضا يحرق حنجرتي، أكاد أختنق، وأزيز الجفاء يخترق ضلوعي. صرخت في داخلي: أغثني يا إلهي يا أنيسي في هذا السحر الرائق، سأشد إليك الرحال لتعالج مني الروح الممزقة والجسد المنهك وتَجبر حلمي المكسور المدد جثة هامدة يلتقط أنفاسه الأخيرة.

 هي لم تخبره إنها تشم رائحة أنثى تحت ياقة قميصه، وأن الثلج قد أحرق صبابة جسر الحديث بينهما. صامت عن الكلام المباح عندما لاح لها الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. 

أما هو فعندما استفاق من غيبوبة الزمن أرسل رسائل وتسبية برودكاست جماعي للوتسبيون والوتسبيات ولها: صباح الورد والفل.

وكعادتها أرسلت له رابط القصة القصيرة التي كتبتها "لوثة الكلام" في صفحتها الإنترنتية على وتسبه، وكعادته لم يفتح الرابط ليقرأ ما كتبته. 

 

نجاة الشافعي  

٢٢ ابريل ٢٠١٩م

upload.jpg

 تصوير نجاة الشافعي منتزه سيهات ٢٠١٩ م