القلوب العنكبوتية  

كل منهما يعيش في مدينة بعيدة عن الأخرى. هي في شرق البلاد وهو في غربها والرحلة بينهما بالطائرة تستغرق حوالي الساعتين. بدأ تعارفهما عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية. هي ممرضة عزباء اسمها الإنترنتي “عيون عسلية” وهو مهندس متزوج اسمه الإنترنتي “سهران في الغرام". بعد تعارفهما على الفيسبوك صارا يتحدثان لساعات طويلة باستخدام تطبيق هاتفي ويتبادلان الصور والفيديوهات والملفات لكن لم تسنح لهما الفرصة باللقاء الواقعي إلا ثلاث مرات. المرة الأولى كانت تحت جنح الظلام لمدة لا تزيد عن ساعة في مقهى عند البحر، أما الثانية فكانت صباحا لحوالي ساعتين في مطعم، والأخيرة ظهرا استغرقت خمس ساعات في مجمع للتسوق. في الأولى كان لديه اجتماع في مدينتها بينما في الثانية والثالثة هي تسللت من مؤتمر يتعلق بعملها لرؤيته. حياتهما معا عبر أثير الشبكة العنكبوتية امتدت حوالي ثلاثة شهور، حياة مفعمة بمشاعر حميمية منمقة بورود وقلوب ووجوه مبتسمة

 

two red faces.jpg

عندما هاتفته في نهاية الشهر الأول من حبهما العارم، انهارت باكية وقالت بأسى: لقد هدنّي الوجع. تعبت جدا لأنه صعب علي التواصل معك فقط عن بعد. أريد أن أكون دائما بقربك. مستعدة أن أغير عملي وأنتقل لكي أكون بجانبك. سوف أعمل المستحيل. أجابها بجفاء: ظروفي لا تسمح، سأعطيك فرصة لتفكري ربما تغيرين رأيك. لكن لم تتزحزح عن رأيها فالحياة بعيدا عنه لا تُطاق. كتبت له بعدها رسائل عبر الفضاء الافتراضي بلغت حوالي الخمسين تفصّل فيها حقيقة مشاعرها وتعلقها الشديد به كما أرسلت له كما هائلا من القلوب والورود الحمراء ولم يجبها

 

بعد عدة أيام رن تطبيق هاتفها. قال ببرود أخترق قلبها كالخنجر: كنت مشغولا جدا. أود أن أخبرك بأنه لا داعي لمزيد من الرسائل أو للاتصال. ألست ترغبين بإنهاء كل ما بيننا؟ أجابت بصوت عالٍ: لا لم أقل ذلك! أنا قلت أود في المزيد من التواصل بيننا، أود أن أعيش حياتي بالقرب منك! أنظر إلى عينيك وليس لسماعة الهاتف، أتحدث إليك وجها لوجه لا عبر الأثير العنكبوتي، تخترق رائحتك قلبي، أريد أن أجلس بالقرب منك. أريد أن... قاطعها بفجاجة لم تألفها منه: أخبرتكِ منذ البدء ظروفي لا تسمح بهذا التواصل. كذلك الآن العالم أصبح قرية صغيرة والحياة تغيرت، ليست كالسابق، ولا ضرر في علاقات افتراضية تصل بين الأهل والأحبة والرفاق وتقرب البعيد. ردت عليه ممتعضة: لكنها تفتقر الدفء، تفتقر العمق. لا تسمن ولا تغني من جوع. كالسراب الذي يراه الظمآن فيحسبه ماء. أنها علاقات باردة تذبح الإنسان ببطء فنحن كائنات اجتماعية حسية. شركات التواصل الاجتماعي تبيعنا الوهم لكي تربح ماديا من خلالنا. القلوب العنكبوتية الافتراضية سرعان ما تغرقها أمواج حياتنا الواقعية وانشغالاتنا. نحن نخدع أنفسنا بحب افتراضي لن يثمر ولن يدوم طويلا، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت. عندها ضحك بهستيريا وودعها: باي، باي

 

بدأ خريف علاقتهما يدب في الشهر الثاني حيث اتسعت رقعة الخلاف. هي تطلب وتحتج وهو يعاند ويقابلها بالضحك والسخرية. فقلّت المكالمات والتواصل العنكبوتي لكنها لم تفقد الأمل الذي كان يراودها بأنه لا يستغني عن حبها وسيعود إليها حتى أفضل من السابق

 

في الشهر الثالث ماتت علاقتهما موتا سريرا وحاولت إنعاشها بشتى الطرق وحتى بالتنازل عن فكرة أن تنتقل لتعيش بجواره. أرسلت له العديد من الهدايا عطر وساعة وايباد وصورته وهي مبتسم ابتسامة عريضة في إطار ذهبي. لم تجدي كل محاولاتها نفعا، وربما على العكس اعتبرها علامة ضعف ويأس ونفر منها أكثر من السابق

 

ثم في الشهر الرابع انتقلت العلاقة من غرفة العناية المركزة إلى قبر الصمت المطبق حين عمل لها حظر في كل وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيق الهاتفي وكأن شيئا لم يكن. كان نسيانه مراً ومؤلماً بالنسبة لها. كرهت الفيسبوك وكل وسائل التواصل الاجتماعي وهجرتها لمدة عام كامل

في يوم ربيعي منعش وهي ترتشف قهوتها على الأريكة في شرفة شقتها بالطابق العاشر التقت بالصدفة في الفيسبوك شخصا يدعى "فارس العشق" اثار اهتمامها. حيث فتحت لها حسابا جديدا وأطلقت على نفسها اسم "شموخ الحب". تعارفا وكانت ميولهما مشتركة فتوطدت العلاقة بينهما بعد اسبوع فقط من لقائهما الأول، ثم اتصل بها على الفيسبوك مسنجر: مرحبا عزيزتي. فرصة سعيدة أن أسمع صوتك سيدتي… لجمت لسانها وأمسكت فرامل الكلمات في الوقت المناسب فلقد كان هو نفسه "سهران في الغرام" بحلة افتراضية جديدة  

 

كتابة ورسم: نجاة الشافعي

١٣ مايو ٢٠١٩ م