البَيَاتُ الصيفي

أرسلت ابنتيها للنادي الصيفي عصرا ولدورات رسم في المساء، وفي عطلة نهاية الأسبوع سجلتهن في دورات حفظ القرآن الكريم في المسجد المجاور. يستهلك ذلك جزءا من ميزانيتها المتواضعة لكن لا حل للفوضى العارمة في الإجازة الصيفية إلا هذا لعلّها تنعُم بالسكينة. تُغلق جوالها الذي يعرفه الجميع وتستعمل هاتف لا يعرفه أحدا تدفعه بالبطاقة للتواصل فقط مع زوجها وأمها. لا تصور في السنابشات ولا تكتب في السوشيال ميديا. تُعلن في حالتها: "مسافرة". كذبٌ أبيض لا يضر أحدا ولكن ينفعها

 

هذا الصيف القائظ الرطب الذي ينزف فيه العرق من كل مسام الجسد وتلتصق فيه الأعضاء ببعضها تعتبره فترة البيات الصيفي بالنسبة لها. تحاول أن تستعيد عقلها وقدرتها على الحياة لعام دارسي قادم فتُضرب عن كل شيء. هي فقط إجازة شهرين قد تمنحها بعض الهدوء الذي تفتقده خلال العام. النفاق في المدرسة مع المديرة والمعلمات والموجهات والموظفات وأمهات الطالبات والطالبات أنفسهن ومع عائلتها وعائلة زوجها والجيران والأقارب، وكذلك المجاملات المتواصلة في السوشيال ميديا: وتسبات، سنابشاتات، انستغرامات، تويتات، فيسبوكات كلها تشد أعصابها وترهق نفسيتها لأنها تنضح برائحة الكذب والتملق. فعندما ينشرن صديقاتها ومعارفها والمعلمات أخبارهن تكون مرغمة أن تجاري الأخريات في إرسال الوجوه والقلوب السعيدة أو الحزينة والورود والتعليقات. صارت مؤخرا فقط تضغط على زر نسخ ثم لصق ولا تكلف نفسها أكثر من ذلك

 

جوالها يطاردها في اليقظة والمنام والقروبات تُستنسخ كل يوم: قروب لزميلاتها معلمات الجغرافيا، وواحدة لكافة معلمات المدرسة، وواحدة لمراقبة الامتحانات وأخرى للحي الذي تسكن فيه وأخرى لعائلة زوجها وأخرى لعائلتها وواحدة لمدرسة ابنتها الصغرى وأخرى لابنتها الكبرى وبعض القروبات مؤقتة لغرض معين مثل قروب هدية معلمة تزوجت وهدية معلمة سوف تتقاعد وقروب قراءة ختمة قرآن لكن قد تستمر القروب حتى بعد ذلك. وعليها متابعة الغث والسمين في تلك القروبات لئلا يفوتها شيء مهم وإن تجاهلتها أو تعبت من ملاحقتها قد تحدث كارثة مثل المرة التي قررت فيها مدرسة الرسم إعطاء درجة واحدة للطالبات لمشروع عمل مجسم للبادية ولم تعلم به فلم تخبر ابنتها فنقص معدلها. ومرة عندما كلفتهم المديرة بإلقاء فقرات في مجلس الأمهات فلم تُعّد نفسها فأخذت عنها المديرة فكرة سيئة بأنها تتهرب من المسؤولية ومهما حاولت أن تحسن صورتها بعد ذلك لم تستطيع

 

في فترة البيات الصيفي لا تخرج من البيت إلا نادرا. لا تحضر حفلات الخطوبة والزواج التي تكثر في الصيف وتتجاهل أيضا حفلات أعياد الميلاد وحتى الصرعة الجديدة من حفلات الطلاق ووداع العزوبية. كذلك تتغير عاداتها اليومية عن باقي السنة. لا تطبخ ولا تغسل الصحون أو الملابس ولا تنظف المنزل. تستعين بخادمة مؤقتة لبضع ساعات في اليوم في كل صيف. لا تفرش أسنانها أو تمشط وتصبغ شعرها، كما لا تستحم إلا يوم الجمعة. ترتدي البيجاما أو ملابس منزلية فضفاضة غير متناسقة الألوان طوال الوقت. تنام بعد صلاة الصبح وتستيقظ عند العصر. يسيطر عليها الحزن والقلق والاضطراب فتستشيط غضبا من أتفه الأمور. تكثر من مشاهدة الأفلام القديمة والمسلسلات الخليجية والعربية والمدبلجة. زوجها أصبح يفهمها فيتجنبها في تلك الفترة. يقضي معظم وقته بعد العمل في بيت والده مع أمه ولا يعود إلى منزله إلا عند منتصف الليل. أمه تستغرب من ذلك ولكنها أيضا بدأت تفهم إنها فترة الإحباط التي تعاني منها زوجته في كل صيف. نصحته بالسفر معها لكنه يهز رأسه رافضا: "مستحيل، مستحيل. جربت من قبل. ما يفيد ولا يغير شيء. هي في السفر أخس منها في قعدتها بالبيت لحالها. تتأفف من كل شيء وسفراتنا كلها نكد في نكد. لا يعجبها العجب ولا الصيام في رجب. أنسي ذلك. مستحيل

 

DSC_0064.JPG

بيتها يقع مقابل المنتزه الوحيد في بلدتها يفصل بينها وبينه شارع واحد فقط. المنتزه نعمة ونقمة في آن واحد. مصدر للبهجة لها عندما تتأمل جمال الطبيعة وتسمع تغريد الطيور وتستنشق رائحة الزهور حين يداعبها نسيم الصباح، وفي نفس الوقت مصدر للإزعاج عندما يتجمع فيه الصبية يصرخون ويلعبون بشقاوة أو يتسابقون بالدرجات والبائعون يبيعون الطعام وبعضهم الطيور فتتصاعد الروائح النفاذة لمخلفات الطيور مختلطة بروائح السجائر والقمامة التي يتركها العابثون بالطبيعة. خلال العام الدراسي لا تأخذ ابنتيها للمنتزه إلا عندما تزداد شقاوتهما وعراكهما فتذهب معهما مرغمة بعد أن تنتهيا من واجباتهما المدرسية قبل الغروب بساعة، وعندها يكون المكان أقل اكتظاظا من عطلة نهاية الأسبوع. يكثر المشاة في تلك الساعة لكنهن يجلسن في جهة الألعاب. هما تتزحلقان وتتأرجحان وهي تمسك بجوالها تقلب صفحات السوشيال ميديا وتأخذ سنابات للحديقة ولابنتيها وهما مفعمتان بالسعادة تنشرها على السنابشات للعائلة والصديقات والزميلات في المدرسة فيكلنّ لها المديح على خفة دم ابنتيها وجمال المنتزه ودقة الصور والفيديوهات. طبيعة السنابات تشبه كل شيء في عصرنا الاستهلاكي الذي يُسيرُه جنون السرعة فهي تُستهلك بعد أربع وعشرين ساعة وتختفي وكأن شيئا لم يكن. لذلك يجب بث شيء آخر يوميا حتى وإن كان فنجان قهوة أو كأس شاي أو قطعة كيك أو سلفي لتحقن فضاء السناب بالحياة من جديد وإلا سيدفنها النسيان. ما يؤرقها أنه في زماننا هذا صرنا مجبرين أن نحيا افتراضيا لئلا نتخلف عن الركب أو نسبح عكس التيار

 

مما زاد من حدة اكتئابها هذا الصيف على وجه الخصوص ما قرأته قبل عدة أيام: "مات صاحب هذا الحساب. ادعوا له بالرحمة والمغفرة." كان رحمه الله يكتب تحت اسم مستعار على التويتر وكان يثير زوبعة في المجتمع لآرائه الصريحة الجريئة. لم تُعرف حقيقة الكاتب إن كان رجلا أو امرأة وهويته واسمه إلا بعد وفاته. عاش حياتين: العنكبوتية والواقعية. كلاهما منفصلتان عن بعض. ومات مرتين: مرة عندما كبلّ نفسه بشباك العالم الافتراضي، ومرة عندما دُفن جسده تحت التراب. تُرَى كم مرة راودته نفسه أن يتحرر من أسر ذلك العالم الساحر وكم مرة أوشك أن يُبوح باسمه أو ما يدل على شخصيته الحقيقية ثم قاوم ذلك! صارت تؤمن أنه في حياتنا أقفاص نعيش فيها بعضها بملء إرادتنا وبعضها بدون اختيارنا: الأسرة، البلد، العمل، المجتمع، السوشيال ميديا، وحتى الهوايات التي نمارسها: الكتابة، القراءة، الرياضة، الخياطة، الرسم قد نصنع منها جدران عالية ننعزل فيها عن الآخرين

 

في الأسبوع الأخير من الإجازة وفي صباح يوم قائظ صحبته رياح تثير الغبار تأملت المنتزه عند شروق الشمس قبل أن تهجع إلى فراشها. تسلل النور رويدا وشاهدت سرب من النساء والرجال يحثون الخطى يتجهون صوب المنتزه. هؤلاء المشاة قد شاهدت بعضهم مرارا من قبل في الصباح عندما تغادر للذهاب للمدرسة أو في العصر عندما تذهب مع ابنتيها. صارت بعد مدة من مراقبتهم تتعرف عليهم إما من طريقة سيرهم أو من شكل ولون الملابس والأحذية الرياضية التي يرتدونها. شيء ما حثها أن تُجرب، أن تنضم إليهم فليس لديها ما تخسره. فابنتيها تنامان حتى وقت متأخر في الإجازة الصيفية وزوجها يغط في سبات عميق وسوف يستيقظ بعد ساعتين للذهاب للعمل. ارتدت حذاء مسطحا وأسبلت عباءتها السوداء على جسدها المكتنز وغطت وجهها بنقاب يظهر عينيها فقط وخرجت من البيت. أعشت أشعة الشمس عينيها. لم تكن معتادة على الضوء خلال هذه الفترة من النهار، والآن نست أن ترتدي نظارتها الشمسية وأن تضع كريم واق عن الشمس أو تحضر معها جوالها لتستعمله إذا دب فيها الملل. هذه المرة دخولها للمنتزه كان مختلفا. ألِفتْ النور واستنشقت رائحة العشب الندي المنعشة. شعرت بأنها حية كالأشجار التي تحُفُّ بالطريق. زينت وجهها ابتسامة خلف النقاب

 

 

نجاة الشافعي

10/7/2019