أسماك خولة في رواية دار خولة لبثينة العيسى
تغوص بثينة العيسى في النوفيلا الاجتماعية "دار خولة" في أعماق المجتمع الكويتي برصدها للتغيرات الثقافية والاجتماعية التي مر بها من خلال تصويرها لعائلة كويتية مفككة، وترسم بأسلوب تهكمي ساخر تفاصيل علاقات مضطربة بين الأم وابنائها، وتوقها للمّ الشمل. تتجلى براعة الكاتبة بثينة العيسى ليس فقط في نحت الشخصيات بدقة، وبجزالة اللغة، وعمق الأفكار، بل أيضا في توظيفها للرموز والدلالات، وبالخصوص استخدامها لتقنية المعادل الموضوعي بفعالية، حيث تصبح الأشياء والمواقف مرآة تعكس الحالة النفسية والعاطفية للشخصيات. تسعى هذه القراءة إلى استكشاف مفهوم المعادل الموضوعي بالتركيز على تحليل بعض الدلالات في الرواية لفهم أعمق لخولة وعالمها.
المعادل الموضوعي: من إليوت إلى بثينة
المعادل الموضوعي هو أحد المصطلحات النقدية التي طورها ت. س. إليوت في مقالته "هاملت ومشاكله" عام 1919، والتي انتقد فيها ضعف المعادل الموضوعي في المسرحية. يبنى هذا المفهوم على أساس أن الكاتب يجب أن ينقل الانفعال لا بالتصريح المباشر، بل عبر مواقف وصور حسية تثير العاطفة نفسها في نفس القارئ. يوضح إليوت أنه على الأديب أن يضع الأحداث والمواقف الفنية التي تشكل وعاءً للإحساس، فتنتقله للمتلقي من خلال العمل دون أن يصرّح به الكاتب بشكل مباشر. وقد ذكر الشاعر والناقد الإنجليزي توماس هارتلي المعادل الموضوعي قبل إليوت مُبيّنًا أنه الصورة الفنية التي تجمع بين عالمين: عالم الحس وعالم المعنى، بحيث ينقل المتلقي من عالم الحس إلى عالم المعنى من خلال إثارة الخيال والإبداع. تتجلى هذه التقنية في الرواية عبر العديد من الرموز والدلالات التي تعبر عن مشاعر الشخصيات وتسقطها ليس فقط على الأشياء بل الأشخاص، ومنها: الولائم المتخيلة، الأرملة السوداء، الرجل الأبيض، الرغوة، والأسماك.
بالنسبة للولائم: "تحلم خولة بالولائم عندما تخرج للتبضع، تفكر فيها طوال الوقت، تتخيلها حين تقرأ، وحتى وهي تصلي"؛ "استيقظت في السابعة، في رأسها صور لطبخات وقوائم مشتريات وخيالات جذلة لعشاء عائلي حقيقي. ستحظى خولة أخيرًا بعشاء عائلي، مثل "أسرة سعيدة في فيلم هوليوودي عن عيد الشكر". هذه الولائم والعشاء العائلي ليست مجرد رغبة في الطعام، بل هي تجسيد لشوق خولة العميق للتواصل الأسري، رغبة مكبوتة في لم شمل الأسرة، والشعور بالانتماء المفقود.
ويصف الابن الأكبر، ناصر، أمه التي هرب من بيتها وهو صغير بعد أن أخرجته من المدرسة الأمريكية التي يحبها ليعيش مع جدته، بنوع من العناكب: "الأرملة السوداء: متوحدة وسامة"، وأنها التي قضت على والده "قتيبة"، أي هي مثل ذلك النوع من العناكب التي تقتل الذكر بعد التزاوج. وقد يدل موت والده المبكر، وهو دكتور في اللغة العربية في الجامعة، وقبوله بقرار زوجته خوله في تعليمه في المدرسة الأمريكية ثم تنحِيه عن تربية ولده، على ضآلة تأثير العربي ولغته في مجريات الأحداث الاجتماعية والثقافية في بلده والوطن العربي.
وفي مقابل سواد العنكبوت، هناك رمزية "الرجل الأبيض"، والذي يظهر عند تحرير الكويت، والذي انبهر به حتى المثقفين، فتأمركوا وحاولوا أن يجعلوا أبناءهم بيضًا، مثل خولة: "في تلك الأيام، آمنا كلنا بالرجل الأبيض، آمنا بأمريكا، وسلّمناها أطفالنا: خذوهم واجعلوهم بيضًا بقدر الإمكان! بقدر الإمكان!" هذا الرجل الأبيض، الذي يمثل الحضارة الرأسمالية التي تظهر بشكل المحرر والمنقذ، لتدس السموم في عقول الأبناء وتمسخهم، مثل ناصر، الذي أصبح شاذًا، قلبًا وقالبًا، ويصفه والده في اسلوب تهكمي: "الفتى العربي، غريب الوجه واللسان". وتنكشف عورات هذه الحضارة بعد ذلك لخولة حين امسخ ولدها، كنموذج للمثقفين الذين انخدعوا بها: "لكن أيًّا من ذلك لم يتحقق. لقد خيبت أمريكا أملها، وأعطتها في المقابل: كثير من البلادة، والإحساس الزائف بالتفوق، والغباء المطبق أمام التاريخ".
خولة نفسها، المثقفة الواعية وأستاذة الفلكلور في الجامعة، أصبحت نكتة ومسخرة في المجتمع، لأنها كشفت الزيف عنه: "كل شيء تقوله يمكن أن يتحول إلى مسخرة… لأن الناس لن يفرطوا بنكتة جيدة، وخولة نكتة جيدة". خولة صارت شماعة يُسقط عليها عامة الناس فشلهم وإخفاقاتهم ويهربون من واقعهم المرير، وكذلك التيارات المتدينة والليبرالية والنظام الرسمي نفسه. ومثال آخر لهذه الرمزية: الرغوة التي تتولد من دعك الصحون، والتي وقفت تنظر إليها بعد انهيار آمالها في لم شمل العائلة، والرغوة استعارة عن ذاتها المنهكة وأحلامها المتبخرة.
أسماك خولة: مرآة عاكسة للفرد والعائلة والمجتمع
في واحدة من أكثر لحظات الرواية إيلامًا، دعت خولة ابنها الأكبر ناصر لتناول العشاء مع أخويه لتخبرهما عن المقابلة. تصف الساردة المشهد المؤلم بعد أن دخل ناصر واستدعى انتباهه حوض الأسماك الفارغ:
"ابتسم نصف وجهه، نصفه فقط. رمقها بعينين متهكمتين، ثم طأطأ، وقال إنه شاهد في غرفة الجلوس حوض أسماك بلا أسماك".
تنهدت خولة: "ماتوا".
ثم تكمل الساردة: "مُتنّ واحدة بعد أخرى، فهي لم تحظَ بالأهلية الكافية لتحافظ على أسماكها، واكتشفت متأخرة جدًا أن بعضها قد التهم البعض الآخر، رغم أن البائع زعم أنها اختارت أنواعًا قادرة على التلاؤم. قررت أن تبقي على الحوض، وتملأه بالأحجار والنباتات المائية والطحالب القزحية، وأن تكون قنوعة بما يمنحه إياها الحوض الفارغ من إحساس مهدئ وفقاقيع، رغم كل ما يوحي به من هجران".
لم يعلّق ناصر على قصتها التراجيدية الصغيرة، كأن الأمر متوقع…"
هذا الحوار القصير بين الابن الأكبر وأمه، والجملة المختصرة التي أعقبته، مشهد سردي قوي يحمل دلالات عميقة، وهو محمّل بكل طبقات الفقد: "ماتوا. متن واحدة بعد أخرى" وكذلك يمثل ذروة توظيف المعادل الموضوعي في الرواية.
تُعتبر الأسماك رمزًا للخصوبة والوفرة في العديد من الثقافات، كما ترتبط بالماء كعنصر أساسي للحياة. وبالنسبة للمجتمعات التي تعيش على سواحل البحار، مثل المجتمع الكويتي، فهي تُمثّل أساس الحياة، حيث تُعتبر مصدرًا ضروريًا للغذاء والاقتصاد، وتصبح جزءًا لا يتجزأ من التراث والثقافة. وكما أن الأسماك أنواع، كذلك الناس نماذج مختلفة، خولة أم ومثقفة ومتخصصة في الفلكلور، زوجها المثقف العربي والمتخصص في اللغة العربية، أولادها: الأكبر المتأمرك الشاذ، الأوسط المحافظ التقليدي، والأصغر المدلل الذي ليس لديه حس بالمسؤولية، والمجتمع وأجنحته التقليدية والليبرالية والسلطة. أما الحوض الفارغ فهو خولة.. بيتها.. أبناؤها الذين هجروها أو ضاعوا منها.. المجتمع الخالي من العاطفة والروح. وموت الأسماك لم يكن سوى رمزًا لانهيار كل شيء كانت تتشبث به: انهيار الأسرة، والمجتمع، وانهيار منظومة القيم التي تقلصت في السخرية من الآخرين، والنهش في سيرتهم، وتحريض الجميع على المشاركة في ذلك من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. أما الفراغ الذي تعيشه خولة ليس فقط خارجها، وفي أسرتها المفككة، بل هو فراغ أمومي يعشش في داخلها، الأم الممتلئة بالعطف والحنان، تفرغ من هذه المشاعر ومن كل علامات الحياة إذا لم يكن هناك طفل تتبادل معه تلك العاطفة. الفراغ نفي لحالة الأمومة، ويشبه الموت.. موت لشخص يعيش كتمثال، وليس كإنسان، موت الوطن لأن الأم هي الوطن والرحم المنجب لابنائه.
دلالة أن بعض الأسماك "التهَم البعض الآخر" تشير إلى الصراع في مستويات متعددة، مثل الصراعات النفسية في أعماق الشخصيات، وفيما بينها، الصراعات الداخلية والتفكك في العلاقات الأسرية، صراع الأخوة الثلاثة فيما بينهم ومع الأم، والصراعات بين أجنحة المجتمع التقدمية والرجعية والسلطة، والمثقف العربي والجماهير من ناحية، والحضارة الغربية -متمثلة بالأمريكية- من ناحية أخرى. وأخيرًا، يعكس موت الأسماك شعور خولة بالقصور في دورها كأم، وعدم قدرتها على رعاية أبنائها والحفاظ على الروابط الأسرية. المجتمعات أيضًا عبارة عن أحواض أسماك يأكل القوي منها الضعيف، ليس فقط بالسلطة التقليدية، بل بالسلطة الناعمة المخملية مثل تضعضع الهوية، والتأمرك والتغريب والشذوذ، ومن أعتى أسلحتها الثقافة، ومن أدواتها اللغة كأداة للخطاب الفوقي السلطوي تارة، والتهكمي الذي يهمش الآخر تارة أخرى. أمّا قرار خولة بالإبقاء على الحوض الفارغ وملئه بالأحجار والنباتات، فيصبح محاولة يائسة للتمسك ببقايا حياة ما، وقبولها بـ “إحساس مهدئ وفقاقيع” يوحي بشعور زائف بالسكينة يخفي وراءه هجرانًا عميقًا، وفي دلالة أخرى يدل على التشبث بالتراث في مجتعاتنا العربية كمحاولة يائسة للمقاومة والبقاء في خضّم الحداثة.
تنتهي الرواية بمعادلها الموضوعي نفسه، في محاولة يائسة لإنعاش العائلة الميتة حيث يشتري حمد سمكة حمراء، يضعها في حوض الأسماك كمحاولة لإعادة الحياة إلى بيت خولة. ربما تعبيرًا عن تعاطفه الخفي مع وحدتها، أو رغبة مبطنة في لمّ الشمل. لكن النهاية المأساوية، حين يجد السمكة بعد وقت قصير طافية ميتة، تعزز من رمزية الفقد واليأس المسيطرين على دار خولة والمجتمع. ومن ناحية أخرى، تطالعنا دلالة الغلاف: حوض أزرق فيه سمكة حمراء وضعت عليها علامة "إكس"، في ربط بين الرواية، ومحتواها، ونهايتها.
في الختام، رواية "دار خولة" هي كوميديا سوداء مفعمة بالحزن، فيها هجاء للأمومة، للأسرة، للتأمرك، للذكورية، للإعلام، وللجماهير نفسها. خولة ليست بطلة تقليدية، بل شخصية ذات أبعاد فكرية وفلسفية، تدفع القارئ لإعادة التفكير في دور الأم والمثقف/ة والمرأة في مجتمع متناقض. وتنجح بثينة العيسى في استخدام المعادل الموضوعي بفعالية عالية. ويغدو حوض الأسماك رمزًا مركزيًا للفقد والتفكك، الذي يعكس حياة خولة وأسرتها ومجتمعها.
كتابة: نجاة الشافعي
٢٢ ابريل ٢٠٢٥م
قُدِمَت في نادي بيت السرد. مركز إثراء في الظهران. المملكة العربية السعودية
المرجع
المعادل الموضوعي
The Editors of Encyclopaedia Britannica (2014, December 3). objective correlative. Encyclopedia Britannica. https://www.britannica.com/art/objective-correlative
