البَيَاتُ الصيفي

أرسلت ابنتيها للنادي الصيفي عصرا ولدورات رسم في المساء، وفي عطلة نهاية الأسبوع سجلتهن في دورات حفظ القرآن الكريم في المسجد المجاور. يستهلك ذلك جزءا من ميزانيتها المتواضعة لكن لا حل للفوضى العارمة في الإجازة الصيفية إلا هذا لعلّها تنعُم بالسكينة. تُغلق جوالها الذي يعرفه الجميع وتستعمل هاتف لا يعرفه أحدا تدفعه بالبطاقة للتواصل فقط مع زوجها وأمها. لا تصور في السنابشات ولا تكتب في السوشيال ميديا. تُعلن في حالتها: "مسافرة". كذبٌ أبيض لا يضر أحدا ولكن ينفعها

 

هذا الصيف القائظ الرطب الذي ينزف فيه العرق من كل مسام الجسد وتلتصق فيه الأعضاء ببعضها تعتبره فترة البيات الصيفي بالنسبة لها. تحاول أن تستعيد عقلها وقدرتها على الحياة لعام دارسي قادم فتُضرب عن كل شيء. هي فقط إجازة شهرين قد تمنحها بعض الهدوء الذي تفتقده خلال العام. النفاق في المدرسة مع المديرة والمعلمات والموجهات والموظفات وأمهات الطالبات والطالبات أنفسهن ومع عائلتها وعائلة زوجها والجيران والأقارب، وكذلك المجاملات المتواصلة في السوشيال ميديا: وتسبات، سنابشاتات، انستغرامات، تويتات، فيسبوكات كلها تشد أعصابها وترهق نفسيتها لأنها تنضح برائحة الكذب والتملق. فعندما ينشرن صديقاتها ومعارفها والمعلمات أخبارهن تكون مرغمة أن تجاري الأخريات في إرسال الوجوه والقلوب السعيدة أو الحزينة والورود والتعليقات. صارت مؤخرا فقط تضغط على زر نسخ ثم لصق ولا تكلف نفسها أكثر من ذلك

 

جوالها يطاردها في اليقظة والمنام والقروبات تُستنسخ كل يوم: قروب لزميلاتها معلمات الجغرافيا، وواحدة لكافة معلمات المدرسة، وواحدة لمراقبة الامتحانات وأخرى للحي الذي تسكن فيه وأخرى لعائلة زوجها وأخرى لعائلتها وواحدة لمدرسة ابنتها الصغرى وأخرى لابنتها الكبرى وبعض القروبات مؤقتة لغرض معين مثل قروب هدية معلمة تزوجت وهدية معلمة سوف تتقاعد وقروب قراءة ختمة قرآن لكن قد تستمر القروب حتى بعد ذلك. وعليها متابعة الغث والسمين في تلك القروبات لئلا يفوتها شيء مهم وإن تجاهلتها أو تعبت من ملاحقتها قد تحدث كارثة مثل المرة التي قررت فيها مدرسة الرسم إعطاء درجة واحدة للطالبات لمشروع عمل مجسم للبادية ولم تعلم به فلم تخبر ابنتها فنقص معدلها. ومرة عندما كلفتهم المديرة بإلقاء فقرات في مجلس الأمهات فلم تُعّد نفسها فأخذت عنها المديرة فكرة سيئة بأنها تتهرب من المسؤولية ومهما حاولت أن تحسن صورتها بعد ذلك لم تستطيع

 

في فترة البيات الصيفي لا تخرج من البيت إلا نادرا. لا تحضر حفلات الخطوبة والزواج التي تكثر في الصيف وتتجاهل أيضا حفلات أعياد الميلاد وحتى الصرعة الجديدة من حفلات الطلاق ووداع العزوبية. كذلك تتغير عاداتها اليومية عن باقي السنة. لا تطبخ ولا تغسل الصحون أو الملابس ولا تنظف المنزل. تستعين بخادمة مؤقتة لبضع ساعات في اليوم في كل صيف. لا تفرش أسنانها أو تمشط وتصبغ شعرها، كما لا تستحم إلا يوم الجمعة. ترتدي البيجاما أو ملابس منزلية فضفاضة غير متناسقة الألوان طوال الوقت. تنام بعد صلاة الصبح وتستيقظ عند العصر. يسيطر عليها الحزن والقلق والاضطراب فتستشيط غضبا من أتفه الأمور. تكثر من مشاهدة الأفلام القديمة والمسلسلات الخليجية والعربية والمدبلجة. زوجها أصبح يفهمها فيتجنبها في تلك الفترة. يقضي معظم وقته بعد العمل في بيت والده مع أمه ولا يعود إلى منزله إلا عند منتصف الليل. أمه تستغرب من ذلك ولكنها أيضا بدأت تفهم إنها فترة الإحباط التي تعاني منها زوجته في كل صيف. نصحته بالسفر معها لكنه يهز رأسه رافضا: "مستحيل، مستحيل. جربت من قبل. ما يفيد ولا يغير شيء. هي في السفر أخس منها في قعدتها بالبيت لحالها. تتأفف من كل شيء وسفراتنا كلها نكد في نكد. لا يعجبها العجب ولا الصيام في رجب. أنسي ذلك. مستحيل

 

DSC_0064.JPG

بيتها يقع مقابل المنتزه الوحيد في بلدتها يفصل بينها وبينه شارع واحد فقط. المنتزه نعمة ونقمة في آن واحد. مصدر للبهجة لها عندما تتأمل جمال الطبيعة وتسمع تغريد الطيور وتستنشق رائحة الزهور حين يداعبها نسيم الصباح، وفي نفس الوقت مصدر للإزعاج عندما يتجمع فيه الصبية يصرخون ويلعبون بشقاوة أو يتسابقون بالدرجات والبائعون يبيعون الطعام وبعضهم الطيور فتتصاعد الروائح النفاذة لمخلفات الطيور مختلطة بروائح السجائر والقمامة التي يتركها العابثون بالطبيعة. خلال العام الدراسي لا تأخذ ابنتيها للمنتزه إلا عندما تزداد شقاوتهما وعراكهما فتذهب معهما مرغمة بعد أن تنتهيا من واجباتهما المدرسية قبل الغروب بساعة، وعندها يكون المكان أقل اكتظاظا من عطلة نهاية الأسبوع. يكثر المشاة في تلك الساعة لكنهن يجلسن في جهة الألعاب. هما تتزحلقان وتتأرجحان وهي تمسك بجوالها تقلب صفحات السوشيال ميديا وتأخذ سنابات للحديقة ولابنتيها وهما مفعمتان بالسعادة تنشرها على السنابشات للعائلة والصديقات والزميلات في المدرسة فيكلنّ لها المديح على خفة دم ابنتيها وجمال المنتزه ودقة الصور والفيديوهات. طبيعة السنابات تشبه كل شيء في عصرنا الاستهلاكي الذي يُسيرُه جنون السرعة فهي تُستهلك بعد أربع وعشرين ساعة وتختفي وكأن شيئا لم يكن. لذلك يجب بث شيء آخر يوميا حتى وإن كان فنجان قهوة أو كأس شاي أو قطعة كيك أو سلفي لتحقن فضاء السناب بالحياة من جديد وإلا سيدفنها النسيان. ما يؤرقها أنه في زماننا هذا صرنا مجبرين أن نحيا افتراضيا لئلا نتخلف عن الركب أو نسبح عكس التيار

 

مما زاد من حدة اكتئابها هذا الصيف على وجه الخصوص ما قرأته قبل عدة أيام: "مات صاحب هذا الحساب. ادعوا له بالرحمة والمغفرة." كان رحمه الله يكتب تحت اسم مستعار على التويتر وكان يثير زوبعة في المجتمع لآرائه الصريحة الجريئة. لم تُعرف حقيقة الكاتب إن كان رجلا أو امرأة وهويته واسمه إلا بعد وفاته. عاش حياتين: العنكبوتية والواقعية. كلاهما منفصلتان عن بعض. ومات مرتين: مرة عندما كبلّ نفسه بشباك العالم الافتراضي، ومرة عندما دُفن جسده تحت التراب. تُرَى كم مرة راودته نفسه أن يتحرر من أسر ذلك العالم الساحر وكم مرة أوشك أن يُبوح باسمه أو ما يدل على شخصيته الحقيقية ثم قاوم ذلك! صارت تؤمن أنه في حياتنا أقفاص نعيش فيها بعضها بملء إرادتنا وبعضها بدون اختيارنا: الأسرة، البلد، العمل، المجتمع، السوشيال ميديا، وحتى الهوايات التي نمارسها: الكتابة، القراءة، الرياضة، الخياطة، الرسم قد نصنع منها جدران عالية ننعزل فيها عن الآخرين

 

في الأسبوع الأخير من الإجازة وفي صباح يوم قائظ صحبته رياح تثير الغبار تأملت المنتزه عند شروق الشمس قبل أن تهجع إلى فراشها. تسلل النور رويدا وشاهدت سرب من النساء والرجال يحثون الخطى يتجهون صوب المنتزه. هؤلاء المشاة قد شاهدت بعضهم مرارا من قبل في الصباح عندما تغادر للذهاب للمدرسة أو في العصر عندما تذهب مع ابنتيها. صارت بعد مدة من مراقبتهم تتعرف عليهم إما من طريقة سيرهم أو من شكل ولون الملابس والأحذية الرياضية التي يرتدونها. شيء ما حثها أن تُجرب، أن تنضم إليهم فليس لديها ما تخسره. فابنتيها تنامان حتى وقت متأخر في الإجازة الصيفية وزوجها يغط في سبات عميق وسوف يستيقظ بعد ساعتين للذهاب للعمل. ارتدت حذاء مسطحا وأسبلت عباءتها السوداء على جسدها المكتنز وغطت وجهها بنقاب يظهر عينيها فقط وخرجت من البيت. أعشت أشعة الشمس عينيها. لم تكن معتادة على الضوء خلال هذه الفترة من النهار، والآن نست أن ترتدي نظارتها الشمسية وأن تضع كريم واق عن الشمس أو تحضر معها جوالها لتستعمله إذا دب فيها الملل. هذه المرة دخولها للمنتزه كان مختلفا. ألِفتْ النور واستنشقت رائحة العشب الندي المنعشة. شعرت بأنها حية كالأشجار التي تحُفُّ بالطريق. زينت وجهها ابتسامة خلف النقاب

 

 

نجاة الشافعي

10/7/2019

 

 

 

الغزوات الشرعية

يعتبر نفسه مثقفا وملتزما وناشطا اجتماعيا. بصلف وتبجح يتحدث عن انتصاراته نافخا صدره كطاووس مصاب بجنون العظمة: تزوجت أمريكية تطلقت من زوجها. كنت تاجرا مبتدئا وجاءت لتشتري قلادة فوقعت في غرامي. لم يدم زواجنا طويلا لأن عملها انتقل الى خارج البلاد فتركتني ورحلت. الثانية كانت عن طريق اهلي. والدتي خطبتها لي عندما تخرجت من الثانوية. هي من الأوائل على دفعتها وحصلت على بعثة للدراسة. اعجبتني واعجبتها فهي جميلة جدا وذكية ومؤمنة لكن عند ترتيب تفاصيل الزواج اختلفت عائلتي مع عائلتها. هم لا يريدون غناء وموسيقى وأمي ترغب بالطرب. فسختُ الخطوبة نزوحا عند رغبة امي فلا أستطيع أن أرد لها طلبا. أما الثالثة فكانت فتاة التقيت بها في سوريا لها مذهب مختلف عني. كانت حورية تقول للجمال قم من مكانك لأجلس بدلا منك. لكن سألتُ شيخا فقال هم يتظاهرون فقط بالإسلام لكن لا يعتبرون مسلمين. رغم كرم عائلتها ومحبتهم لي وما أبدوه لي وهي من مودة قطعت علاقتي بهم ورجعت لبلدي خالي الوفاض. الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة إلى آخره فكلهن ارتباطات شرعية في بلدان مختلفة وأحيانا أكثر من امرأة في نفس البلد. فأنا كثير السفر بسبب التجارة، ولأني متحدث لبق تسحرهن بلاغتي وسعة اطلاعي. أوه، تذكرت هناك أيضا هولندية تعشق الزهور. أحبتني لكني لم أستطع الاقتران بها لأنها قصيرة وبدينة. أخبرتها بذلك فكرهتني وتزوجت غيري. بعد عشرين عاما اتصلت بي عندما تطلقت من زوجها. ذهبت هناك ورأيتها وقد تغيرت. نقص وزنها وصارت مثل الزهرة التوليب الناضجة الجميلة. وأيضا أنا رفضت الاقتران بها مجددا لأنها صارت تدخن بشراهة

توقف عن الكلام هنيه ونظر إليها متحسراً. تابع حديثه بصوت منهزم ضعيف ونكس برأسه كنعامة: آه.. رغم صولاتي وجولاتي ما زلت عازبا! من ترغب بي الآن وقد شارفت الخمسين. تسلل الشيب إلى رأسي ولحيتي وأصابني داء السكري. آه.. ضيعت الوقت والفرص! ما الحياة بدون نساء! بالتأكيد لا تساوي شيئا. فهنّ أصل الوجود. هن البسمة والأمل والرجاء. هن رحيق الزهرة بل الزهرة نفسها، بذرتها وبذورها. كنت أنتقل من زهرة إلى أخرى ولم أدرك أن الزهرة هي الزهرة التي عندي. الزهرة واحدة. الآن يتسلل الموت لقلبي رويدا رويدا فاتحا لي ذراعيه ومادا لسانه هازئا بي. ثم سكت طويلا وبادلته السكوت. انقطع حبل أملها بعد صراحته الطاووسية النادرة معها. وتساءلت هل لها مكان في حياة حافلة بالمد والجزر والغزوات الشرعية وذبح الزهور.

 

اسمها زائدة

اسكتتها أمها عن الكلام: زائدة كفي عن الثرثرة وقتل الوقت! اقرأي القصة التي اشتريتها لك  قبل شهر ولم تنتهي منها. أمسكتْ بالكتاب وتظاهرتْ بالقراءة. في غفلة من والدتها وضعت الجوال في وسط الكتاب. بدأت رحلتها من صفحة إلى صفحة في العالم الافتراضي. تتفحص ما بثته صديقاتها وحتى أشخاص مجهولون لا تعرفهم من صور وفيديوهات وكتابات وتعليقات. وزعت ابتسامات صفراء وورود حمراء وقلوب بنفسجية في معظم ما تصفحته في العالم الممتع الذي تنسى فيه نفسها والزمن وأوامر أمها

 

اسمها مميز. يطلقون عليها بالعامية زايده ماعدا أمها تصر على تسميتها بزائدة. كل المدرسة تعرفها. هي زائدة الوحيدة فيها. زميلاتها يتندرن على اسمها. ههه! زايدة ناقصة جمع ضرب مسألة حسابية. من سَمْاَك ها الاسم اللي يضحك. ههه! وحين درسوا عن الجهاز الهضمي في درس الأحياء في الثانوية صاروا يقارنون بينها وبين الزائدة الدودية. أنتِ زايدة عندما تلتهب تُستأصل من الجسم. ما هذا الاسم العجيب! هههه. كان يسوئها ذلك منذ صغرها. تذهب تبكي وتشتكي لوالدتها. لكن والدتها بملامحها الصارمة صامتة كالقبر. لذلك توقفت عن التذمر. أدركت منذ نعومة أظافرها أن علاقتها بأمها ذات نتوءات حادة كجلد صبارة تجرح من يلمسها.

 

لم تعلم من اسماها زائدة ولماذا إلاّ منذ فترة قصيرة من عمتها التي تراها فقط في الأعياد: أمك أسمتك زايده بعد وفاة والدك. كانت في حزن شديد وحالة نفسية صعبة بعد وفاة أبيكِ. تبكي باستمرار كمولود للتو ولج للحياة . وأحيانا تمزق ملابسها وتصفع بيديها خديها وصدرها. كم أحبته! كان قطعة من قلبها لكن القضاء والقدر شاء أن يموت. رحمه الله أخي كان طيبا وفيا كريما. كل الناس يحبونه. لماذا يَحْصُدُ القدر الطيبين أمثال أخي! اللهم لا إعتراض. أخي أحب أمكِ حبا جما. كنا جيران لكن عائلتينا لم يكونا على ود. فعائلة والدتك كانت غنية قبل أن يفلس جدك في الأسهم. أما نحن فكنا فقراء وتحسنت حالتنا عندما صار والدي يتاجر في المفروشات. منذ صغرهما كانا يلعبان خلسة معا. منحته قلبها ومنحها قلبه وتعاهدا أن تكون حياتهما معا. عن طريقي كانا يتبادلان رسائل غرام وكتب وورود وحلوى. أحيانا كنت استرق النظر لرسائلهما فيذيب قلبي ما بهما من مشاعر متأججة. تقدم لخطبة والدتك في نفس الفترة ابن جيراننا الغني الوسيم وأخي. فضلّت الفقير ورفضت الغني. لكن والدها أصر أن يزوجها إياه. لم تُجدي توسلاتها. فأضربا أمك وأبوك عن الطعام والشراب حتى أوشكا على الموت. عندها رضخ جدك على مضض لتقترن به لأنه يعرف أن أمك مشاكسة عنيدة المراس. كان أخي وفيا مخلصا. لم ينظر لامرأة قط سوى لأمك. عاشا سنتين في سعادة غامرة. أبوك لم تسعه الفرحة عندما حمِلت بك. كان يتمنى أن يراك ويضمك إلى صدره ويلعب معك ولكن لم يمهله القدر. أعدَّ لك غرفة صبغها بنفسه باللون الوردي وملئها بالألعاب والعرائس في بيتنا القديم. عندما توفى أخي كانت أمك حامل في الشهر الثامن. كانت غارقة في محيط الحزن وأنجبتك بولادة قيصرية وأسمتك زائدة. حاولنا معها لتغيير اسمك لأنه أثار استهجان العائلة. فعاندت الجميع. حتى المرحوم جدك غضب عليها ولم يكلمها حتى وفاته. عند ولادتك لم تلمسك إلا بعد مرور أربعين يوما. جدتك المرحومة والدتها اعتنت بك حتى الأربعين، بعدها بدأت تتقبل وجودك وبالتدريج اعتادت عليك. مزق روحها ما سمعته من عمتها فهي إذا زائدة بالفعل وليس فقط باللقب. أمها مسخت هويتها منذ اختارت لها هذا الاسم السمج. حذرتها عمتها: لا تخبري والدتك بما قلته وإلا ستحرمنا من رؤيتك حتى في الأعياد. هززت رأسي مطمئنة لها وأنا أغالب دموعي

 

أمها لا تعرف الرحمة طريقها إلى قلبها. كأنه لم يكفها يُتمها وأنها لم تنعم بحنان الأب فتزجرها على أتفه الأمور. تُملي عليها الأوامر من حين استيقاظها إلى وقت نومها: استيقظي، استعدي للذهاب للمدرسة، كُلي الطعام، راجعي دروسك، اقرأي الكتب، اشربي الحليب. لا تأكلي الحلويات. لا تشاهدي التلفاز. لا تستخدمي الجوال. لا تضيعي الوقت. لا تلبسي هذا. البسي عبايتك. غطي وجهك. لا ترفعي صوتك. كما تمنعها من زيارة صديقاتها أو حضور حفلاتهن وحتى عندما يجتمعن لمراجعة الدروس أو للعمل على مشروع للمدرسة ترفض ذهابها لهن. لا تثق أمها بالناس حتى أقرب المقربين إليهم. ورغم حبها الشديد لأمها وتعلقها بها تشعر بأنها قد استحالت إلى جثة باردة فاقدة للمشاعر. تذكرها بالجفاف العاطفي لأم الشاعرة الأمريكية اميلي ديكنسن التي تعشق والدتها شعرها واحتفظت بديوان لها بالقرب من سريرها تقرأه كل ليلة قبل أن تخلد للنوم. أمها ليست كباقي الأمهات لا تقبلها ولا تحضنها ولا تمشط شعرها. تشي لغة جسدها أنها تخاف من اقتحام ابنتها لشرنقتها الخاصة بها

 هما على طرفي نقيض. والدتها تقرأ وهي تكره القراءة. تقضي الوقت على الإنترنت تتصفح المواقع وتدمن السوشيال ميديا وبالخصوص السنابشات الذي تصور فيه كل أمور حياتها صغيرها وكبيرها. وتتحدث مع صديقاتها بتطبيقات الجوال وترسل لهن المسجات سواء ما يتعلق بالدراسة وغيرها. أمها تعشق الكتب والشاي وكل ما يتعلق به.  ملئت أمها البيت بالكتب والقصص والروايات حتى فاضت المكتبة وكذلك دواليب المطبخ بكؤوس الشاي والأباريق الخاصة به وأصناف الشاي: الأسود والأحمر والأخضر والأبيض وشاي الجنسنج الصيني والشاي المغربي والنعناع والحبق المجفف والورد المحمدي المجفف وماء الورد. خاطبنتها أمها يوما: زائدة لا تحتاجين لصديقات! رفيقك الكتاب وكأس الشاي. الكتاب لن يؤلمك ولن يجرحك ولن يخذلك يوما ما. والشاي سيرويك وينعشك. الكتاب بهجة ما بعدها بهجة وبمعية كأس الشاي الأخضر بالنعناع تتضاعف المتعة. القراءة أبقتني عاقلة. استردتني من غيبوبة الحزن. عندما اقرأ اشعر بالحياة وتوهجها. أحيا في شخصيات أخرى وأعيش حيوات متعددة مليئة بالتجارب والمغامرات. الكتاب جعلني من أنا، قوية مكافحة صابرة. عندما أتعب أضع كتفي على صفحات كتاب. عندما يدب في عيني النعاس أنام في حضن كتاب. عندما أستيقظ أفتحهما على وجه كتاب. خلال النهار يرافقني الكتاب وفي المساء ينادمني الكتاب. الحديث عن الكتب والشاي متعتها وزائدة تسمعها لكن فكرها في مكان آخر:. ماذا ردوا صديقاتها على الصور والفيديوهات التي وضعتها على السنابشات لطلاء أظافرها الجديد وهل أعجبهم؟

 عندما أصاب والدتها سرطان الثدي خافت أن تفقدها كما فقدت أباها. شعرت بأن أمها تغيرت. عادت لها أنوثتها. تعاملها برقة وحنان. في يوم عملية استئصال الورم قالت لها: سامحيني إني سميتك زائدة. عندما منحتك الحياة كنتُ ميتة قلبا وقالبا. اُنتزعت الحياة مني بوفاة والدك. تمنيت لو أن الموت أختطف روحي قبله. كنت في السيارة معه أثناء الحادث في المقعد الأمامي أجلس بجواره ونتحدث ونضحك عندما اصطدمت بنا سيارة مسرعة وانحرفت سيارتنا عن مسارها. اصطدمنا بعمود النور من الجهة التي كنت أجلس فيها. حينها بدأت أفقد الوعي بالتدريج. لم أشعر بشيء سوى أنه ألقى بنفسه علي وعليك ليحمينا.  وأجهشت بالبكاء بصوت عالً سمعها كل من كان مارا بجوار الغرفة.  لذلك عشتُ جسدا بلا روح. كنت غاضبة من نفسي وقدري وكل شيء. أود أن أقتل نفسي من شدة الندم. لماذا أصررت عليه في ذلك اليوم أن نذهب لنتعشى في مطعم؟ لماذا لم أرضخ له عندما قال أنه مرهق ويود البقاء في المنزل؟ الحادث لم يقتله ولكني أنا من قتلته. أنا جولييت القاتلة. حبيبي روميو تحدى عائلتي ليتزوجني ثم قتلته. وواصلت النحيب. أنا أيضا أنفجرت باكية وحاولت أن أخفف عنها بلا جدوى

 

تماسكت قليلا ثم استأنفت الحديث. زائدة، تشبهينه كثيرا! تذكريني بوالدك. أراه فيكِ. كلما نظرت إلى حدقة عينيك السوداوين رأيته يبادلني النظر. كلما لمست يديك شعرت بيده تمسك بيدي. كلما ضممتك إلى صدري تراءى لي يربت على كتفي بحنان غامر. يعذبني الشعور بأن معاملتي لكِ كانت جافة وقاسية. سامحيني تعمدتُ أن أقسو عليك لئلا تكسركِ الحياة. أردت أن تصيري صلبة  لئلا يُذِّلُكِ بشر. أنا أنهكتني الحياة فامرأة أرملة مثلي يراها بعض الرجال فريسة سهلة فيحاولون استمالتها وإن لم تستجب لهم يحاربونها بشراسة. أما صديقاتي السابقات فكُنّ يتجنبني كما يهربن من الطاعون، إمّا غيرة من كوني مستقلة أشقّ حياتي بنفسي أو خوفا أن أخطف أزواجهن. والمجتمع لم يرحمني من القيل والقال وخاصة عندما سكنت في شقة لوحدي. كنت أحارب على جميع الجبهات لأثبت وجودي ولأربيك أحسن تربية لأعوضك عن فقد أبيك. كنتُ أُمَاً ترتدي لبوس الأب لتوجهكِ وتقومكِ. أقضي الساعات في المطبخ أعد الأطباق الشهية وأبيعها لأعيلك إضافة إلى عملي الصباحي كموظفة استقبال. حبيبتي ستفهمين كل هذه الأمور بشكل أفضل لاحقا عندما تكبرين. أردتُ أن تقرأي كثيرا لتصبحي كاتبة يُشاد لها بالبنان مثل الروائيات اللاتي اقرأ لهن: آجاثا كريستي وايزابيل الليندي وأحلام مستغانمي. أردت أن تنهلي من معين الكتب تجربة وخبرة ومتعة. أن تسافري من خلال الكتب. أن تستمعي كما أستمتع. أن تحلقي مع النجوم. أن تكون الكتب اللغة المشتركة والرابط فيما بيننا كما كانت بيني وبين أبيك. أبوك كان كل حياتي، وأنت أيضا كل حياتي. أنت لست زائدة. أنت ما أحيا له وفيه ومنه أنت حياتي يا حبيبتي. انتحبتْ واحتضنتني بقوة. قبلت جبيني وأسدلت رأسها على كتفي. حبيبتي انتبهي لنفسك جيدا. كفكفي دموعك. أنا قوية ولن يهزمني المرض. سأخرج أشد قوة وسنقضي أوقاتا سعيدة مع بعض برفقة كتاب وكأس شاي. وسنُعِّد  لحفل تخرجك من الثانوية في نهاية العام

 

لم تستطع أن تلُمها وهي في تلك الحالة. ودت لو أن أمها اقتربت منها قبل ذلك لتشرح لها معاناتها. كيف كانت تشعر بالحزن ليتمها. ليس لموت والدها فقط ولكن أيضا للجبل الشاهق الذي يفصل بينهما. ودت لو أستطاعت أن تقول لها كيف كانت تعاني من الإحساس بالنقص. فكل الطالبات لهن آباء ما عداها. عندما يتحدثن ماذا أحضر لهن آباءهن من ألعاب وملابس وهدايا وأين خرجن معهم يعتصرها الألم وتنخر قلبها الغيرة. تسأل نفسها متعجبة: لماذا ليس لي أب مثلهن! ما الذي جعل أبي يتوفى وأمي حامل بي! وتسللت إلى دماغها الصغير فكرة أنها مشؤومة كبومة تنشر الموت خصوصا لمن يحبها، وأنها تسببت بموت والدها. كانت تكره بداية العام الدراسي والأعياد على وجه الخصوص حين تسألهن المدرسات في كل حصة ولمدة حوالي أسبوع: كيف قضيتن الإجازة؟ أين سافرتن؟ ماذا فعلتن؟ فيخبرنها أنهن سافرن أو ذهبن لشاطئ البحر أو للبر مع آبائهن وعائلاتهن واستمتعن كثيرا. وعندما يحين عليها الدور تتأتأ، أنا أنا أنا، أمي كانت مريضة. تنومت في المستشفى. تؤلف قصة جديدة في كل مرة. لديها حصى في المرارة أو طحالها متضخم بسبب الأنيميا المنجلية أو التهاب الزائدة الدودية أو نوبات صرع أو تليف في الرحم. أنا قضيت الوقت معها أعتني بها وبشؤون المنزل. فيسكتن كأن على رؤوسهن الطير ويحطنها بنظرات التعاطف والأعجاب. تتدافع الأسئلة والتعليقات: هل تحسنت الآن؟ هل عادت للمنزل؟ الله يعينك. أنت بارة بوالدتك. في هذا الزمن قليل مثلك! الله يجزيك خير. فتبتسم بخبث وتزهو بمدحهن نافخة صدرها كطاووس

 

استقر أنبوب المغذي في وريد يدها اليمنى. لوحت لها بيدها اليسرى. ابتسمت ابتسامة تدفقت فيها المحبة تيار كهربائي أضاء كيانها كله وسرى دفئه إلى زائدة. قبعة زرقاء تستر شعرها وملابس وردية تلف جسدها وغطاء أبيض ينسدل على السرير. ترافقها ممرضة تحمل ملفا ضخما ورجل يدفع السرير. ترقرقت دموعها وبللت وجهها النحيف ورقبتها الطويلة. الطبيب قال هذه العملية خطرة لتفشي المرض العضال في جسدها. اغلقوا الباب وهي واقفة تنتظر خلفه. شعرت زائدة بأن هناك من يربّت على كتفها بحنان

Photo by Najat Alshafie. North West England, 2015

Photo by Najat Alshafie. North West England, 2015

نجاة الشافعي

٢٦ مايو ٢٠١٩ م

 

 

 

 

الكاتب/ة الشبح

تصوير: نجاة الشافعي  لانكستر بريطانيا ٢٠١٦ م

تصوير: نجاة الشافعي

لانكستر بريطانيا ٢٠١٦ م

هناك آذان تسمعك وعيون ترقُب كل حركة تقوم بها. وآخرون لا تعلمهم يعدون دقات قلبك. يحسبون عليك آهاتك وهمساتك وضحكاتك. موجودون في كل مكان: في الطريق، في عملك، في الحديقة، في محل البقالة، في بيتك، في السوشيال ميديا، مزروعة وسائل تنصتهم عليك مع أهلك وأصدقائك وزملائك وحتى عندما تضجع في فراشك. أنت لست وحدك كما تحسب، فأعمل بصرك واشحذ بصيرتك لتكتشف ما يحيط بك من مكائد ومؤامرات. نشرتها في الفيسبوك في المساء وفي التويتر في الصباح لتحذر الناس السذج الذين يفصحون عن مكنوناتهم وتفاصيل حياتهم على وسائل التواصل الاجتماعي. يضعون صورهم الشخصية وصور عوائلهم ويستعرضون كافة أنشطتهم: ما أكلوه، ما شربوه، ما ابتاعوه، أين ذهبوا، من قابلوا، وماذا فعلوا. هؤلاء مغرر بهم يروجون لنمط استهلاكي مادي يعزز ثقافة البوح ومشاركة حياتهم مع الآخرين. مما أدى إلى أن تسلق هرم الشهرة كل ناعق. عليها أن ترشدهم فضحايا العالم الافتراضي سهلّوا المهمة للعيون المتلصصة وغدا كل واحد منهم دون كيشوت الفارس النبيل يحسب أنه قد صرع الفرسان الأشاوس بشجاعته وبراعته وتفوقه بينما كان يحارب الطواحين الهوائية

 

المؤلف الشبح مثل دون كيشوت متضخم الأنا، قصير نظر لا يرى أبعد من أرنبة أنفه، غارق في الخيال. الشبح يعتقد بأنه لوى عنق النجاح بأن كتب سيرة شخصية وأحيانا أعمالا أدبية لشخص مشهور في المجتمع. يحسب نفسه يحسن صنعا بينما هو مجرد سراب. يؤجر قلمه لغيره فيظهر ذلك الآخر بصورة جذابة شيقة منمقة بينما المؤلف الحقيقي يدس رأسه بين السطور كنعامة. المؤلف الشبح أُمٌ بديلة تؤجر رحمها لتنبت فيه جنينا لغيرها تضخ فيه عروقه الحياة لمدة تسعة أشهر لكن عندما يكتمل البدر ويمد رأسه للخروج سرعان ما تلتقطه يد امرأة أخرى تُدعى أمه. رغم رواج الكتابة الشبحية مؤخرا في الغرب ثم الشرق ما زالت تعتبرها فن مطور من فنون السرقة الأدبية حيث يوافق المسروق بملأ إرادته على سرقته واغتصاب السارق لكتابته مقابل حفنة من المال

 

هي أيضاً تُصنف كمؤلفة شبح لأنها تكتب بدون أن تُصرّح باسمها الحقيقي أو تضع صورتها. لا أحد يعرفها على الإطلاق حتى الآن، لكن في حالتها الوضع مقلوب فهي روبن هود الذي يسرق من الأغنياء ليطعم الفقراء. هي بروميثيوس تسرق جذوة النار لتُشعل القنديل الذي ينير دروب القراء بدون مقابل. لم تصرح باسمها في وسائل التواصل الاجتماعي أو في الأوساط الأدبية ولم تضع اسمها الحقيقي على غلاف روايتها التي نُشرت مؤخرا في دار نشر مغمورة. لا أحد حتى يعرف إن كانت امرأة أم ذكرا لأنها اختارت اسما محايدا: سلام سالم يمكن حمله على الجنسين

 

سلام خجولة جدا في حياتها اليومية. تحتفظ بأسرارها الخاصة لنفسها. لا تحب التطفل على الآخرين. عندها صديقة واحدة فقط، جارتها منذ الطفولة والتي تسمح لها بالتجول في حديقتها السرية وولوج عالمها المغلق عن الآخرين. غير اجتماعية ولا تبادر بالحديث مع أي أحد. قد تردّ أحيانا على من يتحدث معها فقط إذا اضطُرت لذلك. بين التهام أي كتاب يقع بين يديها والتلذذ بأصناف الطعام ومشاهدة الأفلام المعادة على التلفاز تقضي وقتها. أدمنت القراءة منذ نعومة أظافرها مما جعلها مختلفة في تفكيرها ولغتها وأحلامها عن أقرانها. لم تكن تستسيغ اللعب معهم بالدمى أو الجري بلا هوادة في الطرقات. كانت ثمرة استوت قبل أوانها وسقطت من الغصن في حضن الحروف

سلام تتقيد حرفيا بما يمليه عليها والديها وأخوانها من أوامر ونواهي. تحترم العادات والتقاليد حتى التي ليس لها معنى. لا تحب أن تصطدم بأحد أو تكسر المحظورات. هادئة ومسالمة إلى أبعد الحدود. حتى الحشرات تشفق عليها ولا تؤذيها، فلها حق الحياة كما للإنسان والهرم الغذائي يقوم على التجانس بين الكائنات المختلفة. تُعيد تدوير الورق والبلاستيك وكل شيء فالبيئة للجميع ويجب المحافظة عليها. تعتقد أن كل إنسان يعتدي على البيئة يجب أن يعاقب بقسوة لأنه مجرم في حق نفسه والأجيال القادمة. بسبب كسلها وإدمانها على القرآة والكتابة والطعام زاد وزنها حتى كسرت حاجز المئة كيلو وقفزت فوقه بعشرين كيلو فضاقت عليها كل ملابسها. سببت بدانتها لها السكري والضغط واحتكاك المفاصل ووجع الظهر الذي يؤلمها عندما تنام وتجلس لفترة طويلة. كل هذه العوامل: عزلتها، شراهتها في الأكل وبدانتها جعلتها تبلغ تبدو كأنها في الأربعينات بينما هي أكملت الثلاثين في الشهر الماضي ولما يطرق بابها أي عريس بعد. صاروا حتى أهلها يطلقون عليها اسم عانس ليس في وجهها ولكن من وراء ظهرها وأحيانا تسمعهم يهمسون بذلك فيدمي قلبها وتنحدر دموعها كالسيل العام. لذلك قررت ألاّ تخرج من البيت أبدا والتزمت بوعدها حتى هذا اليوم مهما قرعتها والدتها وأخواتها. عن طريق الكتابة تفرغ شحنات القهر الذي يكتنف حياتها. تشعر بأن الكتابة لها دور كبير في تخفيف رزح الواقع المر عليها

 

عندما تمسك بالقلم وتبدأ الكتابة تنطلق ريح صرصر عاتية تكسر أغلالها وتحررها من الأسر الذي قبعت فيه طويلا. تتحدى مكبوتات النفس وقيود المجتمع. ربما هذا ما يسمى في علم النفس التعويض عما يعتمل في نفسها من ضعف وهزيمة أو قد يكون تفريغا للشحنات الانفعالية الغضبية.  قرأت عن الكتابة الهادفة واتجاه الفن لأجل خدمة المجتمع في النزعات الاشتراكية والدينية لكن لم تستطع أن تتماشى مع هذا الاتجاه، وأيضا تكره الاتجاه الذي يستخدم الفن للفن والأدب فقط مُهرِّجا للترفيه والتسلية، أي الفن يصبح استهلاكيا في خدمة الفرد. فالأديب في وجهة نظرها يجب أن يطير يحلق في فضاء حر بلا حواجز أو موانع ليعبر عن ذاته ويبدع فنا يخدم البشرية وليس مجتمعه فقط. فالأديب الأناني الذي يفكر فقط في نفسه أو الأديب الذي يتماهى مع القيود أو يجاري المجتمع في خيره وشره وتفاهته وفساده ليس أديبا بل خائنا يستحق بتر أصابعه في مقصلة الأبجدية وإغراق أعماله الأدبية في نهر دجلة. تكره أيضا أحكام الناس الظاهرة والباطنة على أي عمل فني. كل يقيّم العمل الفني من منظاره الخاص. الناقد ينقب عن عورات النصوص ليكشفها للعلن والأجدر به أن يسترها بورق التوت. المثقف يرى العمل الأدبي مسطحا فارغ المضمون ليست به أبعاد تاريخية أو ثقافية أو جدلية، الليبرالي يرى العمل متزمتا ومتقوقعا بينما المتزمت يراه متحررا ومتغربا. أما المتلقي العادي فهو الحمامة التي تقلد مشية الطاووس. يسمع للفئات الأخرى فموجة ترفع النص فوق السحاب وموجة تنزله لقاع البئر في أسفل السافلين

 

كلما افتقدت المتعة والبهجة في حياتها، انغمست في الفضاء الافتراضي والقصصي أكثر من السابق. في عالمها لها زوج يحبها وأطفال يشبهون أباهم لكنهم هادئين مثلها. عندها بيت كبير تحوط به حديقة غناء يقع على شاطئ البحر. صارت روائية مشهورة يشاد لها بالبنان كأحلام مستغانمي. لا تعيش حياة رتيبة كباقي النساء في حيّها بل تسافر كثيرا. تحضر مؤتمرات وندوات. يستضيفونها في برامج إعلامية وحوارية. حولوا رواياتها إلى أفلام ومسلسلات ومسرحيات تحضر تصويرها. تذهب للنادي الرياضي وتمارس الرياضة. رشيقة فارعة الطول وأنيقة ترتدي العباءات الطاووسية وتضع الحلي والألماس والمجوهرات. لديها الخدم والحشم والسيارات الفارهة وما لذ وطاب. هذا ليس بخيال أو تهيؤات بل يتحدثون إليها وحدها وتجيبهم وتحاورهم. يرونها وتراهم. عقل جميل مثل عقلها لا يمكنه أن يزيف لها الحقيقة

 

شاهدت مرة فيلما بالإنجليزية أرعبها بشدة عن مؤلف شبح. لا تتذكر التفاصيل بوضوح بينما نهايته حُفرت في ذاكرتها خندقا للأبد. تدور أحداث الفيلم عن مؤلف شبح يكتب مذكرات لشخصية بريطانية مشهورة والذي استقر في أمريكا مع زوجته. عندما أكتشف الشبح أسرارا خطيرة تتعلق بهذا الرجل، صدمته سيارة عندما ذهب ليسلم الكتاب في لندن. كان المؤلف يحتضن كتابه كطفل فسقط في وسط الشارع بدون حراك والمطر يبلل أوراقه المتطايرة في الشارع. اختفى الشبح من الحياة كم كان مُسدل عليه الستار خلف جدران الكلمات من قبل. تتمنى ألا تنتهي مثله عندما تُعرف في يوم من الأيام شخصيتها الحقيقة فَتُحاك لها مؤامرة. هي ممن يؤمنون بنظرية المؤامرة فالأحداث لا تقع بالصدفة بل ورائها مدبر وفاعل وشاهد وشهيد

 

سلام ليست شخصية واحدة فقط إنما هي حرباء يتغير مظهرها حسب الوسط الذي تعيش فيه. في الانستغرام هي هيفاء فتاة مراهقة مدللة حسابها مليء بصور للطعام الذي تأكله أو تبتاعه من سيدات الانستغرام. تصوره بعد أن تصفه في أطباق فاخرة بطريقة جذابة وتختار لصورها فلتر مناسب يضفي رونقا بالخصوص للصور الباهتة ويبرز جمالية التفاصيل. هيفاء مغرمة بتصوير أظافرها بطلاء مختلف كل يوم. هيفاء تصور أحذيتها وحقائبها وعباءاتها الملونة والسوداء. هي ناشط اجتماعي اسمه ماهر الزين في التويتر. ماهر يحث على القراءة والتفكير الإيجابي. يرصع ماهر صفحته بالآيات القرآنية والأحاديث الشريفة.  يزينها أيضا بالحكم والأمثال والعبارات المحفزة. أما في الفيسبوك فهي مفكرة رصينة نور الحقيقة. تتابع نور الحقيقة أخبار الأدب والأدباء وتناقش المثقفين والقاصين وتنشر ما تكتبه تحت اسم نور الحقيقة. أما في رواياتها فتتعدد شخصياتها حسب الحبكة القصصية ومتطلبات العمل الدرامي. سلام سالم ديناميكية تمل السكون والبلادة وتتغير مواصفاتها الشخصية حسب العمل الفني. تتحدى ذاتها وقدرتها الكتابية فتتحول إلى شخصية جادة أو هزلية أو مخلصة أو خائنة أو جبانة أو جريئة أو من طبقة غنية أو معدمة. قد تكون طفلا أو شابة أو رجلا ناضجا أو امرأة عجوزا. تشعر أحيانا بأنه قد يكون لديها انفصام في الشخصية لتعدد الشخصيات التي تتقمصها في كتاباتها، بينما هي في الواقع نقيض ما هي عليه في القصص. عند التأليف تسقط عنها الأقنعة وينطلق المارد من القمقم وتسرد شهرزاد الحكايات حتى الصباح. هل الكتاب الآخرين متصالحين مع أنفسهم أم مثلها يعيشون انفصاما وتشظيات في شخصياتهم ليبدعوا؟

 

في يوم صيفي حار استيقظت من النوم تشعر بلهب حارق يجتاح جسدها وتصببتْ عرقا حتى ابتلّ فراشها. كان حلما خانقا رأيت فيه خفافيش باضوا في عشها ثعابين انتزعت جلد يديها. فتحت عينيها. أصابها هلع شديد حين شعرت بأن هناك من يراقبها من النافذة وآخر يتلصص عليها من ثقب المفتاح. أغلقت الستارة جيدا وأحكمت قفل الباب ووضعت قطعة قماش في سِمِّ القفل. ثم أغلقت جوالها لأنهم أيضا يمكنهم أن يتنصتون على أفكارها من خلاله فيعرفون مكان زوجها وابنائها وبيتها. اشتد قلقها فحطمت الجوال والذي حتى وإن كان مغلقا سوف يبث موجات تقودهم إلى غرفتها. تناوت كراساتها وأوراقها ومزقتها إربا إربا لكيلا ينظرون لما خطته من شخصيات متمردة على القيم والأعراف والمجتمع. بالتدريج تعالت الأصوات: إنها هنا. أهجموا على الغرفة. اكسروا الباب. اقبضوا عليها. سوف نحاكمها الآن. وسمعت وقع أقدام تقترب وأيدي تطرق الباب بإلحاح. ثم صوت أمها: سعاد حبيبتي أخرجي حان وقت العشاء. تواصل الطرق. لقد ابتزوا والدتها لتنضم إليهم في مكيدتهم وتخبرهم اسمها الحقيقي. سوف تغمض عينيها ثانية حتى يغادروا منزلها. ربما هي ما زالت في لُجة قصة من قصصها أو مازالت تشاهد فيلم المؤلف الشبح. تساءلت قبل أن تغرق في عالم النوم وشبح نيكل كيدمان ترتدي وشاحا أسودا وتحتضن طفليها عالق بذاكرتها، من هو الآخر؟ هم أم هي؟

 

كتابة: نجاة الشافعي

٢٣ مايو ٢٠١٩

 

عيدالموت#

قاربت الساعة السادسة مساء. انتهت من طبخ العشاء. أعدت أبريق شاي بالنعناع ودله قهوة عربية بالهيل والزعفران، مشروباه المفضلان. يحب أيضا المكسرات المشكلة وضعتها في أطباق صغيرة بلورية. بفعل الهواء البارد لشهر يناير يتراقص نور الشموع التي أشعلتها لتضفي للصالة دفئا ورومانسية. رائحة كعكة الشوكولاتة انتشرت في فضاء المطبخ. أخرجتها من الفرن حارة شهية. أحتضنها صحن مزخرف اشترته لهذه المناسبة الخاصة، عيد ميلاده الخمسين. طلتها بكريمة طازجة وزينتها بحبات الكرز. صفت خمسة شموع على شكل قلوب حمراء فوق وجهها الأملس. قبل أيام اشترت له هدية كاميرا فاخرة ماركة كانون وعدسات احترافية كلفتها مرتب شهر كامل. لفتها في ورق ذهبي مطرز بالنجوم. يدمن على تصوير الطبيعة وكاميرته قديمة فارتأت أن تبتاع له هذه الكاميرا. أشعلت البخور متنقلة به كفراشة من زاوية لزاوية تنشر الرائحة الطيبة في كل أرجاء المنزل وتمتم بالصلوات. ثم ألقت نظرة على أناقتها في المرآة. عدلت من تسريحتها ودست خصلات الشعر البيضاء خلف أذنيها. لبست قرطان ذهبيان أهداهما لها في عيد زواجهما الأول ثم توقفا عن الاحتفال به لأنه يقول لا داعي للمبالغة والتصنع فكل أيامنا أعياد. هو نادرا ما يتذكر عيد ميلادها لكنها تتذكر عيد ميلاده كل عام وتحتفل به معه. وضعت اللمسات الأخيرة: كحل أسود وبودرة خدود خوخيه اللون وأحمر شفاه صاخب. ارتدت الكعب العالي واغلقت الأنوار لتفاجئه عند دخوله المنزل

تصوير: نجاة الشافعي  لندن صيف ٢٠١٦ م

تصوير: نجاة الشافعي

لندن صيف ٢٠١٦ م


تأخر الوقت كثيرا ولم يأتي. اتصلت به لكن هاتفه النقال كان مغلقا فأصابها القلق. هل به شيء؟ هل أصابه حادث أو مكروه لا سمح الله. وضعت يدها على قلبها وهي خائفة فهو عادة يعود للمنزل في حدود السادسة. وبعد ساعات كئيبة من الانتظار كانت فيها أعصابها مشدودة كأوتار الكمان رن الجوال بنغمة خاصة به: ليلة من ليالي العمر. قال بصوت هادئ: مساء الخير. لن أتمكن من الحضور. لدي عمل كثير! سأتأخر في المكتب. تعشي بدوني. سأتعشى مع الزملاء، وبفعل وقع المفاجأة سكتت على مضض

خلعت الكعب العالي. ألقت بنفسها على الأريكة وآمالها العريضة تحولت إلى سراب بعد عناء يوم طويل من الاستعدادات المرهقة. بكت طويلا فامتزج الأسود والأحمر أسفل عينيها وعلى وجنتيها. خالجها شعور أنه سيحتفل بعيد ميلاده في مكان آخر. قطعت الشموع أربا. طعنت الكعكة بسكينة حادة عدة مرات فتناثر الكرز وسالت دمائه ممتزجا بالكريمة البيضاء واشلاء الكعكة البنية في منظر منفّر. صورتها بالكاميرا ووضعت الصورة على الانستغرام مع هاشتاغ #عيدالموت. علق على الصورة في اليوم التالي: هههههههه وابتسامة وجه يبكي من شدة الضحك

نص: نجاة الشافعي

٢٢ مايو ٢٠١٩ م

  سالبة بانتفاء الموضوع  

في فترة الخطوبة كان يحدثني لساعات طويلة ويزورني باستمرار. نخرج سوية للمطاعم والمنتزهات والأسواق في كل أسبوع، فيمر علينا الوقت بدون أن نشعر لشدة سعادتنا. لكن بعد عدة شهور انقلبت الأمور وكأن بركاناً خامداً نهض فجأة واجتاح كل ما في طريقه من حب واهتمام. صار يحدثني لعدة دقائق ويزورني فيما ندر ولا نخرج إلا حوالي مرة أو مرتين في الشهر. وعندها نسير مكتئبين على رأسينا الطير أو نتحدث باقتضاب. كلما لـُمـته تدبّ الحياة في علاقتنا المريضة، ثم يعود الثلج ونستمر بين مد وجزر. عندما رأيتُ لوحة ممدة على الأريكة في شقته لرسامة مغمورة شممت رائحة نفاذة زكمت أنفي. سألته عن اللوحة وصاحبتها فأنكر أنها تخصه. قال بانزعاج لتحقيقي معه بأنها لأحد أصدقائه أحضرها ونساها عنده. أليس لديكِ ثقة فيني! أنتِ شكّاكة! وعلا صراخه ووعيده

the mask.jpeg

  في كل مرة يُلقي الكرة في ملعبي: أنتِ لا تحاولي لإنجاح علاقتنا. أنتِ دائما مستعجلة في الحكم على الناس. أنتِ لا تصبري. أنتِ قذيفة مشاعر سرعان ما تنفجر. أنتِ دوما تظنين ظن السوء بدون مبرر. أنتِ نار تحرق الأخضر واليابس. في عيد خطوبتنا الثاني باغتته وأنا أغالب دموعي: “لا داعي لأن نستمر. لا داعي أن نخدع أنفسنا ومن حولنا. فأصلاً لا توجد علاقة إذا لم يوجد تواصل فعلي بيننا واتصال عاطفي فيما بين روحينا. علاقتنا سالبة بانتفاء الموضوع”. هكذا يقال في علم المنطق. أردت أن أوصل له رسالتين: فسخ خطوبتنا وجهله في المنطق ليس كعلم فقط ولكن أيضا كمنطق في الحياة. “أنتَ - والآن حان دوري أن أستخدم أنتَ- أنتَ لا تستطيع الجمع بين الضدين. أن تجمع بين النور والظلام، النهار والليل. نحن ضدين. هذه المرة وضعتُ العصا في عجلة حديثه المشروخ وألقمتهُ حجرا جيريا. سأمتُ كيل الاتهامات المعلبة الجاهزة التي يستخدمها معي للقفز للأمام

نظرَ إليها شزرا. أربد وأزبد وأرعد. أصمّتْ سمعها فلم تميز ما قاله. أسدلتْ الغطاء الأسود على وجهها. غادرتْ المطعم الذي شهد احتفالهما الأول والأخير بخطوبتهما. صحيح أن أسرتها ستلومها وبالخصوص أبوها لأنه أختاره لها فهو عريس من أسرة غنية تتاجر في الذهب لكن حريتها هي الغِنى الذي تنشده فقط. رمقت باحتقار سيارته المرسديس البيضاء الواقفة باختيال أمام المطعم. مشت طويلا حتى وصلتْ البيت. ألقت بقلبها المنهك على الوسادة وقطعت حبل الأمل بسكين حادة لكي تفصُلُهُ عما تبقى من روحها

 

كتابة ورسم: نجاة الشافعي

٢٠ مايو ٢٠١٩م

المرأة ُ المنفلوطية

أحبها بعمق إلى حد الجنون لكنها لم تعلم بحبه لها لمدة ثلاثين عاما عجافا. تزوجت صديقه الذي تقدم لخطبتها فأختفى من حياتهما وتلاشت أخباره. سمعت في سنة من السنوات بالصدفة إنه هاجر إلى بلد بعيد لكن لم تسمع عنه بعد ذلك شيئا. زوجها لم يذكره أبدا رغم صداقتهما الوثيقة. عندما توفي زوجها بعد صراع طويل مع السرطان حزنت حزنا شديدا أثرّ عليها فازدادت نحولا وغارت عيناها وبرزت عظام خديها ورقبتها . أفتقدته كثيرا. أحست بثقب كبير ينخرُ قلبها وأنها صارت جنازة تمشي على قدمين. كانت علاقتهما مميزة رغم المشاكل التي عصفت بهما. يغمرها بالحب والهدايا ويحاول أن يرضيها بعد كل خلاف بينهما. لديهما ابن واحد سافر للخارج لدراسة الهندسة وعاد لمدة أسبوع فقط لحضور عزاء والده ثم رجع ليكمل مسار حياته العلمية بعيدا عنها. فكرت بالرحيل معه بعد وفاة زوجها لكن صرفت النظر في اللحظات الأخيرة بعد أن أعدّت العدة وحزمت أمتعتها . ثمة مغناطيس هائل يجذبها لموطنها. هل هو زوجها وذكراه في البيت الذي عاشا سوية فيه مع ابنهما الوحيد! لم تكن متأكدة سوى أنها سمكة لا تتنفس خارج بحر الوطن. نخلة وفية للأرض التي نشأت وتربت فيها

بعد عدة شهور من الوفاة كانت تجمع ملابسه وأشيائه في صناديق مخصصة لذلك. فتحت أحد الألبومات ونظرت للصور. الصورة الأخيرة كانت لزوجها وصديقه يأكلان معا ويضحكان في منتزه عام تحيط بهما مجموعة من الأصدقاء. تفحصت صديقه والذي نست ملامحه بمرور السنين. “صادق” يمتاز بسمرته الشديدة وشعره خفيف مجعد. عيناه عسليتان ثاقبتان وحاجباه معقوفان وأسنانه الأمامية متفرقة. أخرجت الصورة لتتفحصها عن قرب من الألبوم لضعف نظرها من شدة البكاء المتواصل. سقطت ورقة صغيرة مخبأة خلفها. انتابها الفضول ففتحتها وقرأتها. إنه خط المرحوم زوجها

صديقي وحبيبي الغالي صادق

أكتب لك اعتذار من صميم القلب لأني قطفت الوردة التي أردتَ أن تقطفها قبلي. لم أعتمد أن أجرحك أو أذيتك، عندما سبقتك وتقدمت لخطبتها. أتمنى أن تفهمني. لم تكن لي لدي الجرأة لأصارحك بحبي لها. لقد أحببتها حبا جما حتى قبل أن تخبرني أنت بمدى تعلقك بها، وأنك تفكر فيها ليلا نهارا ولا تستطيع الأكل أو النوم بسبب ذلك. لمَحْتُّ لك أكثر من مرة أن علاقتي بها مختلفة. قلت لك أننا منذ الطفولة نلعب ونمرح معا وأن أهلنا سَمُونَّا لبعض. كانوا دائما يكررون على مسامعنا منذ صغر سننا: منى لعادل وعادل لمنى. كنت في فترة المراهقة أكتب لها الرسائل وأرسلها لها عن طريق أختي الصغيرة. لقد منحتني الوردة حبها في مكالمات هاتفية بيننا ورسائل ما زلت محتفظا بها. حسبتك ستفهم وتبتعد لأنك صديقي الصدوق. أمنحني فرصة أوضح لك كل شيء. لماذا لا ترد على اتصالاتي ولا تجيبني. وعندما أطرق بابكم دائما يقول لي أخوك الصغير أنك غير موجود. صادق صديقي، يجب أن نتحدث وتخبرني عن مكنونات قلبك وأشرح لك موقفي. لا تقاطعني هكذا. أنا لا أطيق ضياع صداقتنا من أجل امرأة حتى وإن كانت منى زوجتي. لقد درسنا منذ الابتدائية معا وكنا أقرب الزملاء لبعض. صادق، اتذكر عندما اعرتني كتابك وتعرضت لضرب المدرس. أتذكر عندما كنت احضر الطعام من منزلي ونتقاسمه سوية. أتذكر لعبنا لكرة القدم في الطرقات. أتذكر ضحكنا عندما نعد المقالب للمدرسين والطلاب. أرجوك لا تسيء فهمي. أنت جزء لا يتجزأ من تاريخي وقطعة من قلبي. أتمنى أن تجيب على اتصالاتي. أتمنى أن أجدك لأحدثك بدل أن أحاول أن أرسل لك هذه الرسالة. وأتمنى أن تسامحني. صديقي أعاهدك بأني سأعاملها بحب ولن أفرط فيها أبدا.

صديقك المخلص أبداً: عادل

three+children.jpg

من شدة الصدمة التي باغتتها سقطت الورقة والصورة من يديها، وأغرقت عبراتها وجهها ورقبتها وابتلت ياقة ثوبها الأسود. لماذا لم يخبرني أحد! كان لي الحق أن أعرف! كان لي الحق أن أختار من أريد! لماذا كذب كليهما علي وأخفيا الحقيقة طوال هذا الوقت! لماذا يكذب زوجها ويقول أنها صارحته بحبه في مكالمات ورسائل وهي لم تفعل ذلك لشدة خجلها. الآن فقط وجدتْ التفسير لما حيرها سابقا من تجاهله لصديقه وتجنبه الحديث عنه. شعرت بخيبة الأمل تصفع وجهها بقوة. بدأ القهر يتغلغل في صميم قلبها. ما أعجب الحياة! في هذا الوقت الذي تود أن تحتفظ فيه بذكرى جميلة عن زوجها يفاجئها القدر بهذه القسوة فتتسلل نُذر الشك إلى عقلها. كيف تُصلح مرآة عواطفها التي كُسرت بعد أن قرأت الرسالة. مزقت الرسالة غاضبة ثم الصورة وألقتهما في القمامة. تريد أن تمحو ما قرأته من ذاكرتها متظاهرة بأنها لم تطلع على هذا السر الكبير الذي زعزع كيانها، ربما كان كل ذلك من محض خيالها فلا إثبات له بعد أن أزالت آثاره: الصورة والرسالة. غريب أمره لماذا لم يتخلص من الرسالة بعد كل هذه السنوات! هل نسى أم أنه تعمد أن تطلع على هذا السر ملتمسا منهما الصفح والغفران

من ضمن عيوبها الفادحة أنها دائما ترى النصف المملوء من الكأس. تنظر للناس بمثالية ثم تصيبها الصدمة إذا اكتشفت النقيض من ذلك. ما ساهم في مثاليتها المفرطة ما قرأته وهي مراهقة من كتب المنفلوطي: العبرات والنظرات وماجدولين والشاعر. فلقد فرضت مدرسة اللغة العربية العراقية على طالبات الصف الأول المتوسط أن يقرأن كتب المنفلوطي لتحسين أسلوبهن في الكتابة، أما هي فلم يتطور أسلوبها كثيرا لكنها تأثرت تأثرا شديدا بالشخصيات المثالية الافلاطونية التي يعرضها المنفلوطي لقيم كالحب والوفاء والتضحية والإيثار والفداء. لذلك زوجها كان يمثل لها قمة فريدة في الحب والإخلاص. لم تكن تعلم أن قمة الجبل قامت على أرض طينية متحركة. وإنه ذو وجهين. هل سيفاجئها القدر بأمور أخرى عنه، من يدري! لكن لو وضعت نفسها محله هل من الممكن أن تفعل مثله! أي لو أحبت شخصا وصديقتها أحبته أيضا بالتأكيد سوف تتقرب منه ولا تبالي بها. لا! إنها ليست كذلك! أنها تحمل في قلبها جذوة من القيم الأفلاطونية المنفلوطية. ستقاوم شيطانها وستؤثر صديقتها على نفسها، فالرجل يمكن العثور عليه أما الصداقة فكنز من الصعب الحصول عليه

بعدها حاولت اقتصاء أثره فوجدته قد تزوج أجنبية وأنجب خمسة أطفال، وعاد قبل عام للوطن. كان في السابق يرسم لكنه الآن كما علمت من ابنة عمه أنه أصبح أشهر من نار على علم. إذاً، ربما تسنح الفُرصة أن تقابله بدون أن تحرج نفسها في معرض من معارضه الفنية. هل سيعرفها وهي تغيرت كثيرا من فتاة جذابة ممتلئة شبابا وحيوية إلى خمسينية أرهقتها سنوات العناية بزوجها في مرضه وكسر جناحها ما اكتشفته أخيرا عنه. تندمت أنه في ذلك الوقت قبل زواجها لم تقرأ ما بين السطور. لم تشم رائحة الحب من خلال كلام صادق ونظراته إليها. كيف لم تشعر كأنثى بذلك، تذكر أنه كان يخالجها إحساس غريب كلما صادفته في الشارع لأنه ينذهل ويتجمد في مكانه ينظر للأسفل متجنبا النظر المباشر إليها لكي لا يشي بسره. يتلعثم ملقيا التحية عليها على عجالة. ألهذا السبب تقدم زوجها سريعا لخطبتها وأصر أن الزواج يكون بعد أسبوع فقط من الخطوبة خوفا أن تتطور العلاقة بينهما ولقطع الطريق عليه بلا عودة. فهمت الآن ما كان يتمتم به زوجها في غيبوبته: سامحني، سامحني، صديقي سرقتها منك... قطفت الوردة

تلك الليلة كانت ثقيلة كصخرة جثمت على قلبها. أتشحت بالسواد من قمة رأسها حتى أخمص قدميها. خرجت من العِدَّة لكن ما زالت ترتدي السواد وفاء لزوجها ولا تقرب الزينة والعطور . دخلت المعرض في يوم الافتتاح الذي يحضره غالبا الفنان قبل إغلاقه بنصف ساعة. كان هناك قليل من رواد المعرض يتجولون فيه ويتأملون اللوحات بصمت. بحثت عنه لكنه لم يكن موجودا في المعرض. معظم لوحاته بها امرأة غير واضحة المعالم لكنها تشبهها كثيرا في ملامحها وحركاتها وسكناتها. فجأة فُتح باب جانبي وظهر صادق. تساقط معظم شعره لكن حاجبيه زادا تقطيبا وتغضنت جبهته وصار يرتدي نظارة سميكة. رآها من بعيد فاقترب قليلا ورفع نظارته يمسح عدستيها كأنه غير مصدق نفسه. اقترب بفضول قائلا: كم تشبهين قريبة عرفتها! تردد أن يقول حبيبة فلا يليق به ذلك مع امرأة قابلها للتو. بادرها بالسؤال: كيف ترين لوحاتي؟ يهمني جدا رأي المتلقي! أجابتْ: جميلة جدا ومميزة. عندما تكلمت انتفض وبدأت دقات قلبه تتسارع: صوتكِ، صوتكِ، مألووف. أنتِ.. أنتِ مُنى. وسكت وتأمل وجهها وابتعد قليلا وأدار رأسه ينظر حولها يبحث عنه. تماسك وقال بلباقة: أختي منى تشرفت بحضورك المعرض. أين عادل؟ هل، هل ينتظرك في السيارة؟ أطلبي منه الدخول أو، أو سأخرج لأراه وهمّ بالحركة باتجاه الباب الرئيسي. أوقفته قائلة بصوت حزين خرج من بئر عميق: لقد أعطاك عمره. ارتعدت مفاصله وارتبك ونظر إلى البعيد وغالب دموعا صامتة تألقت في عينيه. قال غير مصدق ما سمعه: كيف، ما الذي حدث؟ ما زال شابا! لا أصدق! الله يعظم أجرك ويرحمه ويتغمده في واسع جنانه. آسف، آسف جدا! لم أعرف! انقطعت أخباركم عني لأني هاجرت للخارج وعدت مؤخرا. كم كنت أتمنى أن أراه! في غربتي كنت أفكر فيه دائما وأتحدث عنه وعن صداقتنا المميزة مع زوجتي وابنائي. لكن الأمر لله. إنا لله وإنا إليه راجعون

حزمتْ أمرها على المواربة، وقالت له: عادل في لحظاته الأخيرة كان يردد سامحني صديقي صادق وأنا لا أعلم ما هو السبب. ورغم معرفتها بما حدث من خلال الرسالة التي صدمتها أنكرت علمها لتحافظ على كرامة زوجها وهو ميت كم لو كان حيا. لم تجرأ روحها الشفافة أن تكيل له الاتهامات في غيبته ولم تستسيغ أن تنحدر في مشاعرها وتسأل صادق: هل أحببتني فعلاً، هل نسيتني، هل ما زلت تحبني، هل لوحاتك عني؟ تابعت الكلام: فأرجو رجاء حارا مهما كان موضوع الخلاف بينكما أن تسامحه من أجل العشرة والأوقات الجميلة التي قضيتماها معا. أجابها متلعثما ومجاريا لها: آه، مسكين عادل. كان.. كان خلافا بسيطا. هو أراد أن يشتري سيارة وأنا.. أنا أيضا رغبت في نفس السيارة لكنه سبقني واشتراها ولم يخبرني. زعلت في البداية لكني سامحته منذ زمن بعيد. كم هو رقيق أن يتذكر هذا ويحّز في نفسه! هو أيضا تصرف بنبل وحافظ على سمعة رفيقه بيضاء ناصعة فلم يبح لها بالسر. صمتا عن الكلام برهة ونظرا للوحات المصطفة أمامهما والتي تضج بالحياة. أحست بأن النساء اللاتي في اللوحات تنظر وتنصت لهما باهتمام

ثم باغتها: منى، أنت أيضا سامحيني! تسألت: لماذا؟ رد عليها بصوت حانٍ رقيق: لأنني لم أعلم بمرضه ولم أكن معه لأخفف عنه في لحظاته الأخيرة، ولم أقف بجانبك في ذلك الوقت العصيب. منى، سامحيني لم يكن بيدي! الظروف حتمت عليّ البعد، وهذا حال الدنيا لقاء وفراق. أجابت: لا داع للأسف. أشكرك، الآن عادل سيكون مرتاحا لصفحك عنه. شكرا جزيلا. شعرت بالراحة والرضا لحديثهما لأنها لم تلمه ولم يلم هو زوجها. كلاهما حافظا على ذكرى زوجها نقية. أنتهى لقائهما بأن أهداها لوحة من لوحاته . ترددت في قبولها لكنه أصر عليها. أخبرها بأنها من أعز لوحاته على قلبه، فقد رسمها عندما غادر البلد قبل ثلاثين سنه واسماها أمل. شكرته واحتضنت اللوحة التي بها امرأة كأنها توأم لها تقف بشموخ عند النافذة تحمل مظلة وتنظر للسماء الملبدة بالسحب السمراء

نص ورسم: نجاة الشافعي

١٩ مايو ٢٠١٩م

امرأة على الصامت

انتقدَ شرائها له فوطة خضراء مرصعة ببطات صفراء، وفانيلة زرقاء حجمها أصغر من قوامه الممتلئ، كما أحتجَّ على تعليقها لرسومها في الصالة قائلا: هناك الكثير من الرسوم والقليل من الفن! تحتاجي أن تدرسي أصول الرسم وفروعه قبل أن ترسمي! حرام عليكِ تشوهي الجدران بما تسميه الفن الحديث! صمتتْ كالمعتاد وحملقتْ في الفراغ بعيون انحبس فيها القهر والألم. وأستمر المارد الذي انطلق لسانه من القمقم يثرثر ويكرر العديد من القصص والمواقف بصوت عال، وهي تتظاهر بأنها تنصتُ له حتى فرغت معدته

 

suffering.jpg

بعدها جلس يزدرد الأكل بشراهة الذئب وهي ترمق قميصه الرمادي بطرف عينيها. وضعت لقيمات قليلة في طبقها لتسد رمقها. أما طبقه فجبل شامخ من كبسة الأرز باللحم. أخبرها أن نفسه مسدودة هذه الأيام وفقط يأكل وجبة واحدة في اليوم. ثم قال: انظري، انظري! مشيرا إلى طبقه، هل هذا طعام يكفي أن يأكله رجل! انبرت ابتسامة مغتصبة على شفتيها وهي تقارن بين الطبقين الخالي الوفاض والممتلئ حتى الثمالة. قالتْ باقتضاب: يمكن لديك فقر دم؟ رد هازّا رأسه: لا، لا! أجريت فحوصات وكل تحاليلي سليمة، الحمد لله. قالت: وحبوب الضغط؟ أجاب: نعم مستمر عليها. اليوم اعطاني الطبيب نوعين منها وكذلك حبوب للسكر زاد جرعتها. أصلاً، في هذا العصر مَنْ مِن الناس بدون ضغط أو سكر

 منذ تزوجت ابن عمها بناء على رغبة والدها وهما على طرفي نقيض. هو بركانٌ مُشتعل دائم التبرم والانتقاد، لا يسلم من آفات لسانه الصغير أو الكبير، وهي هادئة باردة كالثلج. عالمه مليء بالضجيج الذي لا تطيقه بالخصوص حين يرفع صوت هاتفه ليشاهد مسلسلاته وأفلامه المفضلة على اليوتيوب أو عندما يحدث أصدقائه بنبرة حادة تخترق الجدران. كانت في البدء تستهويه المسلسلات المكسيكية المدبلجة ثم هجرها وتعلق بالتركية أما الآن فأدمن الكورية. يكره كل الدراما الخليجية ماعدا طاش ما طاش والذي يزيد ويعيد في اجتراره ضاحكا بهستيريا كلما شاهده. ولديه الكثير من الأصدقاء يسهر معهم في المقاهي والاستراحات إلى ساعات الفجر الأولى. جربتْ مرارا أن تناقشه أو تطرح وجهة نظر مختلفة لكنه عنيد يصر على رأيه ويغضب ويقاطعها أياما، ثم تشم رائحة عطور نسائية رخيصة مختلطة بالسجائر عندما يلج الفراش، لذلك لتتعايش معه تلوذ بالصمت والصبر كما نصحتها والدتها

أما هي فتعيش مع الرسم وللرسم. فمنذ تفتح عينيها عند الفجر إلى أن تغلقهما بعد منتصف الليل ترسم وترسم، ما عدا وقت الطبخ والأعمال المنزلية، وعندها أيضا تفكر فيما سوف ترسمه أو تكملهُ في لوحاتها. جربّت الصديقات وسأمت من اهتماماتهن الفارغة وأحاديثهن المستهلكة عن الأطفال والأزواج والطبخ والموضة والأزياء والرشاقة فاعتزلتهن. كان منقذها الرسم. تتذكر كتاب مترجم لشريعتي قرأته في أوج شبابها: الفن المنقذ المنتظر. وها هو الرسم يأخذ بيديها إلى عالم الفن والجمال. ترسم أي شيء وفي أي وقت. لم تدرس المدارس الفنية في الرسم أو تحضر دورات، لكن كلما انتابتها الرغبة الجامحة في الهروب من الفقر في المشاعر الذي يحيط بها، تحمل الفرشاة وتمزج الألوان وتلطخ اللوحات بما تجود به نفسها من الألوان فتجد ذاتها في ذلك المكان البعيد. عادة تبدأ بالألوان الدافئة أحمر وأصفر وبرتقالي وعندما ينحسر وجعها تفتح الباب للألوان الباردة على مصراعيه. تبدأ بالبنفسجي المحمر ثم البنفسجي الفاتح الذي يميل للأزرق، يليه اللون الأخضر المصفر ثم الأخضر الداكن ثم اللون الفيروزي الذي تعشقه ويتربع عرش قلبها ويحضر في سائر لوحاتها. اللون الفيروزي فريد من نوعه كونه يجمع بين اخضرار الأشجار وزرقة السماء لذلك تشعر أنها معلقة في أقصى نقطة في الغلاف الجوي تلامس قدميها الأرض الخضراء وعندما ترفع رأسها تتطاير خصلات شعرها مع الغيوم. كم تمنت لو أنه بدل أن يختار الأبيض لطلاء الصالة أن تكون قطعة فيروز. تكره الألوان المحايدة وتعتبرها خيانة لونية. فالأبيض يسرق من الألوان بهائها والأسود يغرقها في غيبوبة بصرية والرمادي يجمع بين الخيانة والغيبوبة. كذلك تستخدم كافة أنواع الألوان: الزيتية والمائية والاكرليك واقلام الفحم والحبر الصيني وأحيانا تمزج فيما بينها بطرق قد لا تعجب باقي الرسامين لا يهمها ذلك. إنه الإحساس الذي يقودها عندما تحمل الفرشاة وعندها تقرر ما الذي ستستعمله في تلك اللحظة المصيرية من عمر اللوحة

عندما ترسم تتحرر من أصفاد الواقع المنحدر. تحلق في سماء سابعة في تجربة روحية خصبة. تتعالى على كل الألم والحزن والاستبداد لتشعر بحب متدفق يفيض على الكون والبشر والحياة، . في عالم الرسم سحر خلاب لا يدركه إلا من غرق في يَمْ الفن وتوحد مع الفضاءات اللونية المدهشة. هناك تنسى كل ما يحيط بها وتبحر في لذة الاكتشاف والخلق الجديد. تصبح قادرة مهيمنة بيدها عجينة لونية تخلق منها ما تشاء من عوالم وكيفما تشاء. حيوات قد تكون حالمة أو مرعبة أو واقعية أو رومانسية أو نرجسية أو مثالية. قد تضاهي الواقع في بعض جزئياته أو لا تماثله على الإطلاق. في الفنتازيا التي تُطلقها في لوحاتها تجمح مخيلتها فترسم طيور بأيدي ونساء بأجنحة وأطفال بعجلات وخيام طائرة وفراشات منتحرة وعناقيد على النخل وصحراء ملونة وخليج من تراب ورجال مفقأة عيونهم

حتى أثناء نومه تهجر مخدعهما وتسهر مع اللون. أخفت بعض اللوحات في المخزن والتي صورت فيها وجوه بشعة وأبدان مقززة وهياكل عظيمة، بينما علقت الورود والزهور والحدائق والطيور وأطفال يرقصون كالفراشات والنساء الجميلات في الصالة وغرفة النوم والمكتب. ورغم تهديده ووعيده ظلت صامدة هي وفنها في وجهه. هو يعرف أنه مهما تمادى في غيه أن لوحاتها مقدسة لديها وهي الخط الأحمر الذي لو تجاوزه لا يضمن صبرها على حياتهما التعيسة وعدم تمكنه من الإنجاب، لذلك ينتقد رسومها في أوقات متباعدة ولا يمتلك الجرأة أن يضع يده على أي من ألوانها أو فراشيها أو لوحاتها

 

يُطلق عليها العديد من الألقاب مثل: بيكاسو الخبل، الموناليزيا المجنونة، أُمْ فرشاة، أُمْ الرسم. وأحيانا يناديها مستخدما فقط الضمير: أنتِ. يوما قال: هيه، أنتِ! قومي أحضري لي بيبسي! أجابتْ: والله نسيت لم أشتريه، سامحني! قال: ماذا! ماذا! كم مرة قلت لك أهم شيء لدي البيبسي، وليس الدايت بيبسي لأنك أحيانا تحضرين الدايت وأنت تعلمين أني أكرهه. أجابتْ: أخاف على صحتك. قال: لا! من قال لك ذلك! ما دخله بالصحة! السكري ليس مهم. أنا عندما ينخفض لدي السكر أرفعه عندما أشرب البيبسي وخاصة بعد الأكل. لكني اُبتليت ببقرة لا تفهم. يالله روحي اشتري واحد. اعترضتْ: لكن الوقت متأخر الآن! صرخَ: حرام عليكِ، أنا متعب وضغطي نازل وسكري منخفض. أسرعي، سوف أموت! واضطرتْ لتلبية طلبه خوفا عليه وعلى نفسها من موجة غضب عارمة قد يكسّر فيها آنية جديدة

 

ومؤخرا يبدو أنه نسى كل التسميات السابقة وصار يستهزأ بها ويناديها معظم الوقت: يا جوال على الصامت تعالي، على الصامت روحي. على الصامت ردّي. على الصامت أريد شايا بالنعناع. أحبت هذا اللقب بالذات دون باقي الألقاب السابقة. لم تكن تشعر بأية إهانة حين يناديها به. واستمرت مطبقة شفتيها معظم الوقت. ما الفائدة من الكلام! لن يتغير شيء، فقط ستزداد رقعة الخلاف بينهما. ثم ما الفائدة إن تركته، سوف تستبدله بآخر مثله. أمها قالت كلهم هكذا، مثل فردة الحذاء التي تُكمل الأخرى. أما مشاعر الأمومة فلا تستهويها لأن لديها لوحاتها والتي تشعر بها كأبنائها وبناتها، فلماذا تمنح حياتها لأطفال يمتصون رحيقها. لماذا تنجب رجلا كزوجها أو امرأة مثلها! هل العالم ينقصه المزيد من الشقاء! يكفي ويزيد ما فيه من أطفال أيتام وأسر مشردة. حاولت مع زوجها أن تقنعه أن يتبنيان طفلا لكنه رفض رفضا قاطعا: أولا، حرام وثانيا ماذا يقول عني الناس! اسكتي ولا تكرري هذا الكلام وإلا طلقتك بالثلاث. نادرا ما يهدد بالطلاق لذلك أغلقت باب التبني وكرهت الأطفال والحديث عنهم

في تلك الفترة تمادت في الرسم، فهجرت الأكل والنوم إلا القليل. صارت مغرمة برسم الأطفال الرضع. ترسم أجنّة بأجنحة وأطفالا تغني وأطفالا تغرد وأطفالا تتحدث وأطفال تزحف وأطفالا تركض وتقهقه. تخفيهم في المخزن لئلا يسمعهم فيؤذيهم. العالم الفني الذي تحيا فيه تمتد فيه حقول فيروزية شاسعة وتجرى بها أنهار كلون قزح، وفي ظل نخلة مونقة تجلس امرأة شقراء ترتدي جلبابا قرنفليا تحتضن طفلا رضيعا أسمرا في لوحة معلقة على الجدار

 

كتابة ورسم: نجاة الشافعي 

١٧ مايو ٢٠١٩ م

القلوب العنكبوتية  

كل منهما يعيش في مدينة بعيدة عن الأخرى. هي في شرق البلاد وهو في غربها والرحلة بينهما بالطائرة تستغرق حوالي الساعتين. بدأ تعارفهما عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية. هي ممرضة عزباء اسمها الإنترنتي “عيون عسلية” وهو مهندس متزوج اسمه الإنترنتي “سهران في الغرام". بعد تعارفهما على الفيسبوك صارا يتحدثان لساعات طويلة باستخدام تطبيق هاتفي ويتبادلان الصور والفيديوهات والملفات لكن لم تسنح لهما الفرصة باللقاء الواقعي إلا ثلاث مرات. المرة الأولى كانت تحت جنح الظلام لمدة لا تزيد عن ساعة في مقهى عند البحر، أما الثانية فكانت صباحا لحوالي ساعتين في مطعم، والأخيرة ظهرا استغرقت خمس ساعات في مجمع للتسوق. في الأولى كان لديه اجتماع في مدينتها بينما في الثانية والثالثة هي تسللت من مؤتمر يتعلق بعملها لرؤيته. حياتهما معا عبر أثير الشبكة العنكبوتية امتدت حوالي ثلاثة شهور، حياة مفعمة بمشاعر حميمية منمقة بورود وقلوب ووجوه مبتسمة

 

two red faces.jpg

عندما هاتفته في نهاية الشهر الأول من حبهما العارم، انهارت باكية وقالت بأسى: لقد هدنّي الوجع. تعبت جدا لأنه صعب علي التواصل معك فقط عن بعد. أريد أن أكون دائما بقربك. مستعدة أن أغير عملي وأنتقل لكي أكون بجانبك. سوف أعمل المستحيل. أجابها بجفاء: ظروفي لا تسمح، سأعطيك فرصة لتفكري ربما تغيرين رأيك. لكن لم تتزحزح عن رأيها فالحياة بعيدا عنه لا تُطاق. كتبت له بعدها رسائل عبر الفضاء الافتراضي بلغت حوالي الخمسين تفصّل فيها حقيقة مشاعرها وتعلقها الشديد به كما أرسلت له كما هائلا من القلوب والورود الحمراء ولم يجبها

 

بعد عدة أيام رن تطبيق هاتفها. قال ببرود أخترق قلبها كالخنجر: كنت مشغولا جدا. أود أن أخبرك بأنه لا داعي لمزيد من الرسائل أو للاتصال. ألست ترغبين بإنهاء كل ما بيننا؟ أجابت بصوت عالٍ: لا لم أقل ذلك! أنا قلت أود في المزيد من التواصل بيننا، أود أن أعيش حياتي بالقرب منك! أنظر إلى عينيك وليس لسماعة الهاتف، أتحدث إليك وجها لوجه لا عبر الأثير العنكبوتي، تخترق رائحتك قلبي، أريد أن أجلس بالقرب منك. أريد أن... قاطعها بفجاجة لم تألفها منه: أخبرتكِ منذ البدء ظروفي لا تسمح بهذا التواصل. كذلك الآن العالم أصبح قرية صغيرة والحياة تغيرت، ليست كالسابق، ولا ضرر في علاقات افتراضية تصل بين الأهل والأحبة والرفاق وتقرب البعيد. ردت عليه ممتعضة: لكنها تفتقر الدفء، تفتقر العمق. لا تسمن ولا تغني من جوع. كالسراب الذي يراه الظمآن فيحسبه ماء. أنها علاقات باردة تذبح الإنسان ببطء فنحن كائنات اجتماعية حسية. شركات التواصل الاجتماعي تبيعنا الوهم لكي تربح ماديا من خلالنا. القلوب العنكبوتية الافتراضية سرعان ما تغرقها أمواج حياتنا الواقعية وانشغالاتنا. نحن نخدع أنفسنا بحب افتراضي لن يثمر ولن يدوم طويلا، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت. عندها ضحك بهستيريا وودعها: باي، باي

 

بدأ خريف علاقتهما يدب في الشهر الثاني حيث اتسعت رقعة الخلاف. هي تطلب وتحتج وهو يعاند ويقابلها بالضحك والسخرية. فقلّت المكالمات والتواصل العنكبوتي لكنها لم تفقد الأمل الذي كان يراودها بأنه لا يستغني عن حبها وسيعود إليها حتى أفضل من السابق

 

في الشهر الثالث ماتت علاقتهما موتا سريرا وحاولت إنعاشها بشتى الطرق وحتى بالتنازل عن فكرة أن تنتقل لتعيش بجواره. أرسلت له العديد من الهدايا عطر وساعة وايباد وصورته وهي مبتسم ابتسامة عريضة في إطار ذهبي. لم تجدي كل محاولاتها نفعا، وربما على العكس اعتبرها علامة ضعف ويأس ونفر منها أكثر من السابق

 

ثم في الشهر الرابع انتقلت العلاقة من غرفة العناية المركزة إلى قبر الصمت المطبق حين عمل لها حظر في كل وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيق الهاتفي وكأن شيئا لم يكن. كان نسيانه مراً ومؤلماً بالنسبة لها. كرهت الفيسبوك وكل وسائل التواصل الاجتماعي وهجرتها لمدة عام كامل

في يوم ربيعي منعش وهي ترتشف قهوتها على الأريكة في شرفة شقتها بالطابق العاشر التقت بالصدفة في الفيسبوك شخصا يدعى "فارس العشق" اثار اهتمامها. حيث فتحت لها حسابا جديدا وأطلقت على نفسها اسم "شموخ الحب". تعارفا وكانت ميولهما مشتركة فتوطدت العلاقة بينهما بعد اسبوع فقط من لقائهما الأول، ثم اتصل بها على الفيسبوك مسنجر: مرحبا عزيزتي. فرصة سعيدة أن أسمع صوتك سيدتي… لجمت لسانها وأمسكت فرامل الكلمات في الوقت المناسب فلقد كان هو نفسه "سهران في الغرام" بحلة افتراضية جديدة  

 

كتابة ورسم: نجاة الشافعي

١٣ مايو ٢٠١٩ م

 

وردة الوتسب اليتيمة

design.jpg

في عيد ميلاده الثامن والخمسين الذي يصفه بعيد ميلاده الخامس والخمسين

وكأن مفارقة منتصف الخمسينات بالنسبة له معضلة عظمى

سلبه المرض بعض قواه وما يزال متعجرفا مصرا أنه أقوى وأصغر لا سيما بعد أن صار يصبغ شعره باللون الأسود بينما لحيته مصطبغة بالبياض في مفارقة عجيبة 

أهديتهُ جوال فضي غالٍ نزل للتو في الأسواق لأتصل به عندما أريد لأن جواله الآخر دائما خطه مشغول

فرح بهديتي وخبأه في جيبه

حدثتهُ طويلا عن الورد أشكاله وأصنافه ورائحته وافتتاني باطواق الفل تزين رقبتي القصيرة أو الياسمين اتوج بها رأسي الصغير علّه يهديني باقة حتى لو كانت بلاستيكية لا مانع لدي لكن لم يجدي كل ما سطّرته ونمقته من كلمات

أبديت إمتعاضي بأنه إذا لم يمكنه الاتصال أو كتابة مسج، على الأقل يمكنه بضغطه زر لا تستغرق ثانية ولا تكلف شيئا أن يرسل وردة على تطبيق الوتسب الذي قليلا ما نتحدث فيه

وعلى مضض صار يرسل لي وردة على تطبيق الوتسب من فينة لأخرى

إن كان مزاجه رائقا ونادرا ما يكون يرسل ثلاثة ورود حمراء لكن معظم الأحيان يكتفي بوردة واحدة فقط

في يوم ذبلت وردة الوتسب اليتيمة

وكان خط الجوال الفضي الذي منحته له دائما مشغولا

ثم صار الخط مغلقا طوال الوقت

سائني ذلك فألغيتُ حسابي في تطبيق الوتسب

وصرتُ أرسم الورود الصفراء على الورق

كتابة ورسم

نجاة الشافعي

١٢ مايو ٢٠١٩ م

 

 

 

الزهرةُ والمريخ

لحظات الأكتشاف الأولى كانت تُسكرنا حتى الثمالة

كالسحب الداكنة المعلقة في جيد السماء تُبشر بموسم الأمطار

لها رائحة العشب الندي الذي امتزج بأنفاس البحر

تحلق بنا في فضاءات قزحية بدون أجنحة

أنا لوني المفضل الأحمر  

أنت لونك الرمادي  

أنا أعشق الربيع  

أنت تعشق الشتاء  

أنا أحب النوارس  

أنت تحب الحمائم  

أنا برجي الأسد  

أنت برجك العقرب 

أنا  أقرأ كثيرا

أنت  تسافر كثيرا

أنا أعبر بالكتابة 

أنت تعبر بالحديث

أنا دائرة  

أنت ملتوي

أنا من الزهرة 

أنت من المريخ 

في تضادنا كان الجذب 

والكيمياء التي أحالت حتى الصحراء ذهبا

 

لكن كلما توغلنا في الحُلم فَقَدَ شغفه

أنا متدفقة

لكنك متصحر  

موطني القلب  

بينما وطنك الحُفر

أنت جبل من الأنانية

لكني بحر من العطاء

أنا لا أهرب منك

لكنك هارب حتى من ذاتك

أطبقت الكتابة شفاهها

وأسقانا الساقي

صحوا لا حُلم بعده

ولا نهاية له

رسم وكتابة نجاة الشافعي  

١٢ مايو ٢٠١٩ م 

upload.jpg

 رسم نجاة الشافعي 

١٠ مايو ٢٠١٩ م 

مزرعةُ الحِمْلان

تصوير نجاة الشافعي لندن ٢٠١٦م

تصوير نجاة الشافعي لندن ٢٠١٦م

في كل مرة تنقض عليهم الذئاب وتفترس بعض الحملان الصغيرة  في ليلة دهماء

وفي كل مرة باقي الحملان إما لم يسمعوا بما حدث أو يصموا آذانهم وقرا أو لا يكترثوا لأنهم شاربين آكلين نائمين في صفاء

بعضهم يضع اللوم على الحملان الوادعة التي حَلُمت بالسفر إلى مرعى آخر في ليلة قمراء

يأكلون التين والزيتون في حدائق غناء

حقل شرايينه تسيل شلالات لبن وماء

ناصع الخضرة يقطفون باقات ورد حمراء

تغني في الفجر بلابل شهباء

.تتدلى من الكروم ضفائر شقراء

هذه المرة تسرب خبر أزعج الحملان

الراعي الخائن هو من أدخل الذئاب

ليفترسوهم لقمة سائغة عند العشاء

بعد أن منحوه رتبة راعي الرعاة

.وأهدوه تسعة أبقار حلوب سوداء

 

أشتد خوف الحملان وازداد الثغاء

عويلهم أشبه بالبكاء كل يغني على ليلاه

فقد أُكلوا يوم أُكلت الحِمْلان البيضاء

التصقوا ببعضهم كالظلال الميتة الخرساء

صار جميعهم يحلُم بالهجرة للمرعى الآخر حين المساء

أما السلاحف فتقوقعت في أصدافها الإسمنتية الحدباء

.لكن  النوارس هاجرت بعيدا خلف السحاب وتركت الغوغاء

كتابة وتصوير

نجاة الشافعي

٥ رمضان ١٤٤٠ هـ

على قائمة الانتظار

 

ارتشفتا القهوة الأمريكية وأكلتا شيزكيك في مقهى ستاربوكس عند الكورنيش. مدرستان وصديقتان حميمتان منذ التقيتا في الغربة في مدرسة في الريف ثم نقلتا لحسن الحظ إلى المدينة بعد سنوات عجاف من المعاناة والسفر الطويل والمصاعب

 .تحدثتا بصوت خافت لئلا تلتقطه آذان الفضوليات والفضوليين في المقهى المكتظ 

!سأمت من حياتي. هل تتصورين أنه يضعني على قائمة الانتظار” 

“!ماذا تقصدين؟ كيف انتظار” 

كلما أحاول الاتصال به يخبرني أنه مشغول وسيحدثني عندما يفرغ ثم أنتظر ولا يتصل. ونفس الشيء عندما أبعث له رسالة لا  يرد. أشعر بالإهانة والغضب والحزن الشديد لقسوته وجفاءه. لم أتوقع منه بالذات هذه المعاملة. أحببته حبا جما لكنه لا يستحق  محبتي. أشعر بأني لا مكان لي في حياته. يعاملني كشيء إضافي متى ما شاء حدثني حتى في الأوقات الغير مناسبة لي، أما إذا لم يرغب يتجاهلني تماما. دائما لا حظّ لي في الحياة  

قرعتها صديقتها بشدة  -قلت لك من قبل أنت من أخترت هذه الحياة. دائما تكررين أنك لا تودين أن تشعري بالوحدة وأنا أفهم شعورك لكنك بالنتيجة تدفعين الثمن أضعافا مضاعفة. نعم أنت وعديدات مثلك على قائمة الانتظار، وهم يحومون كالفراشات حول الزهور متى ما شاءوا! الإخلاص غير موجود في عالمنا فقط  أنانية وخيانة وغش تسود علاقتنا الإنسانية للأسف.  أنظري إلي على سبيل المثال. الحمد لله لا أحتاج رجلا في حياتي. لدي الكثير مما أفعله: أعمال خيرية وأنشطة ثقافية والكثير من الرفيقات أقضي معهن الوقت مستمتعات مبتهجات. جربت مرة واحدة فقط ثم قررت ألا أكون ضحية وتطلقت من زوجي. عاهدت نفسي ألا أنتظر شخص يضعني على قائمة الانتظار. نصيحتي تخلصي منه قبل أن يتخلص منك فالنهاية قد تكون قريبة

أجابتها وهي تهز رأسها: لا! لا! أنت دائما تشائمية، ترين فقط النصف الفارغ من الكأس بينما أنا أنظر إلى الجزء الممتلىء منه وسترين أنها فقط مشاغل وسيعود مثل الطائر، يطير ويعود إلى عشه بعد العناء والتعب 

قطع حديثها رنين جوالها بنغمة خاصة، أجابت بابتسامة عريضة والدنيا لا تسعها فرحا: “هلا ومرحبا! أنت! لم أتوقع تتصل الآن حبيبي ! من زمان لم تتصل! ثم ابتلعت ريقها واحمرت أوداجها وسالت دموعها: “ماذا! لماذا؟ كيف كل شيء أنتهى بيننا!!أعطني فرصة أخيرة. دعنا نلتقي وجها لوجه ونناقش الموضوع. أنا أحبك، أنا أعشقك، أنت روحي. الو! الو! الو

صديقتها أطرقت برأسها وكادت نظراتها تفضحها وابتسمت في داخلها فهي العش الجديد الذي حط فيه الطائر

 

نجاة الشافعي

٨/٥/٢٠١٩م

المرأةُ المُعَنَّفَة

 

المرأة المُعَنَفَة حدثتني على الجوال وهي تنتحب كمن يحتضر، بصوت يعلو تارة ويخفت أخرى وعندما تشتد نوبة البكاء وتشهق لا أكاد أميز ما تقول. ثم تماسكت قليلا بعد طوفان البكاء قائلة: هدى، أنتِ صديقتي الوحيدة وسوف أصارحك بسري فأدفنيه في بئر الصمت. خلاص,، زوجي انتهيت منه، سوف أطلقه هذه المرة، ولن أعود ولن أنظر إلى الوراء، احترقت كل جسور الود بيننا، لن أنسى كل ما فعله، مستحيل أغفر له خيانته، سأمت حياتي معه وأكاد أُجَن، وكلما ضاقت بي الدنيا صرت أشرب القهوة بشراهة وأدخن ليلا ونهارا وأصرخ وأضرب أطفالي وأحيانا أضرب حتى نفسي، صدري حتى يحمر ورأسي حتى يفترسني الصداع. وأكثر من مرة فكرت بالانتحار والهروب من المنزل. أعطيته فرص عديدة ولم يغير أسلوبه أو معاملته لي

صدقتها وتعاطفت معها فنحن جيران منذ أبصرنا الدنيا ودرسنا معا في المدرسة وتزوجنا في نفس السنة. قدمت لها العديد من النصائح على طبق من ذهب: توقفي عن هذه العادات السامة التي تقتلك ببطء فمن لأبنائك غيرك. عبري عن مشاعرك بالحديث لمختصة نفسية ولا تكتميها لأنها كالقنابل قد تنفجر في داخلك وخارجها. اتصلي بأحد من أهله لكي توضحي لهم ما حدث بينكما ولكي إما يصلح ما بينكما أو حتى ينهي الأمور العالقة في المستقبل. اكتبي كل ما يزعجك منه في ورقة وحسناته.

فقاطعتني متهكمة: حسناته؟ ماذا؟ هو شيطان رجيم يلبس لبس حمل وديع، مخادع منافق كذاب. أنا من أوقفته على رجليه وصرفت عليه من جهدي ووقتي وكل ما أملك ولكن لم يثمر الجميل وعض اليد التي امتدت إليه. إنه إمعة ناكر للجميل. وآخر الدواء الكي. أجبتها: إن كنتِ متأكدة هذه المرة فتحدثي لوالدك لينهي الموضوع وليحاول أن يحصل لك على حضانة أبنائك إن أثبتم أنه ليس بكفء لرعايتهم.

 صرنا نتقابل ونتصل ببعض على مدى أسبوع كامل، ثم حدثتها في اليوم الثامن لاطمأن عليها فقالت: عادت المياه إلى مجاريها وأرتجف صوتها، أطفالي لأجلهم سامحته، لكن منذ رجع للمنزل لم أنظر في عينيه ولا أود أن أناقش شيئاً معك الآن.

أقفلتُ سماعة الجوال غير متفاجئة. هي كما هي لم تتغير. تقف على حافة الجبل الشاهق وتنظر للأسفل فترى العالم صغيرا كدمية، ثم تنزل من الجبل وترى ما رأته ضخما كبيرا. خالجني شعور أنها سوف تحدثني بعد فترة ليست بعيدة.  

 

نجاة الشافعي

٢٢ ابريل ٢٠١٩م

Circles and Lines .JPG

لوثة الكلام

حدثتُ نفسي مبتهجة قائلة إنه عندما يسافر قد تتاح لنا الفرصة أن نتجاذب أطراف الحديث لمدة أطول، وليس كما الآن نَسْتَرِّقُ الفُرص عندما يحدثني باستعجال مستخدما أحد برامج التطبيقات على الجوال اثناء إدائه لبعض الأعمال اليومية.

في يوم ذهب يشتري الآيسكريم وكان يتحدث معي وهو ينتقي صنوف الآيسكريم ويسدد النقود، وفي يوم آخر اشترى جهاز تكييف وكنت أيضا على الخط حتى أتم الصفقة، وفي يوم ثالث كان يقابل زبونا ويناقشه في بعض أمور البيع والشراء، وفي يوم رابع ذهب للسوق ليبتاع حذاء رياضي رغم أنه توقف عن المشي منذ سنتين، وفي اليوم الخامس ابتاع عصيرا ليطفئ عطشه، وفي ما بين الذهاب والإياب يكون حديثنا متقطعا سريعا لاهثا برائحة عصير العنب والتفاح ونكهة آيسكريم الفراولة والشوكولاتة وبرودة جهاز التكييف. 

هو أيضا لديه ثلاثة خطوط هاتفية وجوالان وتطبيقي وتسب لكل جوال وتطبيقات هاتفية أخرى وعدد من وسائل التواصل الاجتماعي كالتويتر والانستجرام والسناب شات وغيرها تأخذ حيزا كبيرا من وقته. كذلك يمتلك علاقات شاسعة تراكمت عبر الزمان أكثر من أن تعد وتحصى، ينفض غبارها بين الفينة والأخرى عن طريق صباحيات وتسبية جماعية يومية في شبكة عنكبوتية مترامية الأطراف من العلاقات الاجتماعية.

لكن للأسف فقط تحدثنا في اليوم الرابع من سفره لأقل من خمسة دقائق وبعدها غزانا الصمت القاتل. هو يقول إنه لا يجد الوقت في خضم جدوله المزدحم وعند نهاية يومه الحافل يكون مرهقا ولا يستطيع الاتصال، وأنا أقول إنه ليس مهتما والله وحده يعلم. فقد يتذرع بالمشاغل والتعب لأن من يهتم يُرغم الفرصة أن تحدث، وعندما يكلم الخطيب خطيبته يخف التعب والنصب لا بل يسري شعور بالسكينة وتنبثق طاقة وجدانية وروحية من وقع كلمات المحبة والاتصال النفسي بالمحبوب.

 أخبرته في الماضي أكثر من مرة أن تواصلنا صار مستحيلا وهو يقول بالعكس إن المستحيل ممتع وشيق فهو تحدٍ يبعث الدفء وروح المغامرة ويكسر الرتابة، وأنا اقول إن المستحيل غير ممكن والله أعلم.

أصابتني خيبة أمل شديدة لشحة اتصالاته في سفره وتناثرت دموعي على وجنتيي، وتكسرت أحاسيسي حمضا يحرق حنجرتي، أكاد أختنق، وأزيز الجفاء يخترق ضلوعي. صرخت في داخلي: أغثني يا إلهي يا أنيسي في هذا السحر الرائق، سأشد إليك الرحال لتعالج مني الروح الممزقة والجسد المنهك وتَجبر حلمي المكسور المدد جثة هامدة يلتقط أنفاسه الأخيرة.

 هي لم تخبره إنها تشم رائحة أنثى تحت ياقة قميصه، وأن الثلج قد أحرق صبابة جسر الحديث بينهما. صامت عن الكلام المباح عندما لاح لها الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. 

أما هو فعندما استفاق من غيبوبة الزمن أرسل رسائل وتسبية برودكاست جماعي للوتسبيون والوتسبيات ولها: صباح الورد والفل.

وكعادتها أرسلت له رابط القصة القصيرة التي كتبتها "لوثة الكلام" في صفحتها الإنترنتية على وتسبه، وكعادته لم يفتح الرابط ليقرأ ما كتبته. 

 

نجاة الشافعي  

٢٢ ابريل ٢٠١٩م

upload.jpg

 تصوير نجاة الشافعي منتزه سيهات ٢٠١٩ م

كيف صِرْتُ طَيْرَاً؟

كان قدري طيرا محبوسا في قارورة مغلقة بسدادة صدئة 

إن حاولتُ إخراجه بكسر الزجاجة يموت العصفور سريعاً 

وإن لم أحاول يختنق العصفور ويموت ببطء 

.ما بين شفير الحياة والموت يرقص قدري ضاحكا بسخرية لاذعة

I Became a Bird Painting

.كان قدري أن أُدفن حية في عرف وعادات جاهلية حديثة نسجتها لحى الرجال الكثيفة

.كان قدري أن إسمي عورة، وجهي عورة، صوتي عورة، حديثي عورة، جلوسي عورة، وقوفي عورة، كلي عورة في عورة 

.كان قدري أن أُمنع من المشي على الأرض حرة طليقة لأن قدماي تُدنسها كلما سرت لوحدي بدون محرم أو قدت مركبة

.كان قدري أن جسدي عيب وحرام يجب تغليفه وتعليبه في صندوق أسود لطائرة تحطمت في صحراء شاسعة سقطت أشلائها فوق خيمة مفقودة

 .كان قدري أن أصبر ثم أصبر ثم أصبر ولا أعترض ببنت شفة حتى يمِلُ مني الصبر وتلطمني غربتي على وجهي وقفاي

.وإن سولت لي نفسي وصدرت كلمة صريحة مني أو سؤال جريء أو ضحكة عالية أو حتى إبتسامة بريئة وجهوا لي أصابع الإتهام بقلة الحياء والإسترجال

كان قدري أن تُخنق طفولتي وتنعدم البراءة في صدري الغض المقبل على الحياة بشراهة، فالطفولة ملك للأولاد فقط. يلعبون في الطرقات الكرة. يتسلقون الأشجار ويقطفون الزهور ويداعبون العشب الندي. يعلقون صورهم ويتباهون بأسمائهم ويفتلون عضلاتهم وشواربهم. يلهون ويمرحون كما يشاؤون بدون حسيب أو رقيب  أما أنا فكل العيون ترصدني

أما الفتيات فتضمهن البيوت خلف الجدران ينظرن من ثقب بالباب أو من خلف ستائر الشبابيك للشارع المحرومات منه. يغسلن الصحون ويطبخن وينظفن ويكنزن أحلامهن كل صيف في إنتظار إستوائها عند الربيع. ويدرسن في المدرسة مناهج مختلفة عن الأولاد، مخصصة فقط للنساء لتحفظ كرامتهن وخصوصيتهن وقائمة المحرمات طويلة لا تنتهي: الأحذية الملونة والكعوب العالية وأطواق الشعر والقلائد وكل زينة وحتى المِرآة محرم إحضارها للمدرسة الخ.. بقي أن يحرِّموا الهواء الذي نتنفسه لأنه يختلط بالرئة والماء الذي نشربه لأنه يداعب الشفاه في طريقه إلى الحلق

كنت أختنق، أبكي، أتشظى حسرة وحزناً، وأتشنج وأشعر بالغثيان كلما أشتد الطوق حول رقبتي وحزها وكلما رغبت في تحدي العرف والمألوف. لكن بدء الداء يستشري لقد صدقتهم وكلنا صدقناهم. شعرنا كنساء بالفعل بالدونية، بالحقارة، بالضعف وبالإحتياج الدائم لهم. فهم المُنقِذون ونحن المُستَنقذون. إسترقاق بذخي لا يليق إلا بالعصر الجاهلي الحديث

الإعتراف سيد الأدلة وفضيلة من الفضائل. حقيقة الأمر أني ساهمت وغيري من النساء وشجعنا ذبحنا بسكين باردة في كل مناسبة. لا بل رقصنا على أشلائنا. لم اجرأ ولم أمتلك الشجاعة الكافية لفضح زيفهم. كنت ريشة ضعيفة مقابل طوفان البوم التي تنعق. لم أفتح فمي بالصراخ والرد عليهم وعلى إتهاماتهم المشرعة في وجوهنا ليلا ونهارا. كان منطقهم علكة يلوكونها بين أسنانهم الصفراء يمتصونها ثم يبصقونها في الشارع أو يلصقونها على الحائط. كنت مخطئة جدا. لم أستنكر أو أشجب. لم أقول لهم بصوت مزبد مرعد: كفى! كفاكم نفاقا! كفاكم ما تفعلون بنا! لسنا ضعيفات! لماذا تنظرون لنا بعين واحدة وتغمضون الأخرى! نحن مثلكم تماما لا فرق بيننا على الإطلاق

الكلام والحوار يدور في رأسي يترسب كالحجر في قاع حنجرتي ولا يخرج، أسمع بوضوح فحيح ردهم وتقريعهم كالطاعون الأسود وسيل من التهم المعلبة الجاهزة لكل من أرتد عن لوثتهم. لا منطق لديهم سوى الضجيج والهجوم الشرس. فقاعات صابون تنتفخ وتنتفخ ثم تنفجر بهواء فارغ

اتسأل بيني وبين نفسي لماذا لا أتخفى بزي أخي لأقود الدراجة، للعب بالكرة في صدر الطريق أو لمشاهدة مبارة لكرة القدم أشجع بها أبطالي الكرويين المفضلين. سرقت أحد أثوابه القديمة بدون أن يشعر وأبقيته في دولابي مع طاقيتة وغترته وعقاله. وعندما نام الجميع أوصدت باب غرفتي بالمفتاح. ربطت بقطعة قماش بيضاء صدري لكي يلتصق بظهري وأرتديت ثوبه. رائحته ملتصقة بالثوب منفرة قليلاً لكن بعد قليل أعتدتها وتوقفت حاسة الشم لدي. ثم رفعت شعري الأسود الفاحم بمشابك سوداء وإعتمرت الطاقية ثم الغترة الحمراء الملطخة بالبياض وأخيرا العقال الأسود .نظرت في المرآة المتسخة: "يا الله! لقد أصبحت أشبه أخي كثيرا!" لم أدرك ضخامة الشبه بيننا حتى تلك اللحظة. أبتسمت وضحكت كمن أكتشف سرا لذيذا. قلدت أيضا مشيته وسلوكه فأجدتها. وددت لو أوقظ أختي الكبرى في الغرفة المجاورة لأريها لكنني خفت أن تبوح بسري لأمي وأمي كعادتها الدائمة ستخبر أبي. فهي الكبرى  العاقلة وكل ما تخبرهم عني أنا الطائشة سوف يصدقونها بدون أدنى ريبة. وأخيرا رسمت شاربا أسودا بقلم الكحل ونظرت للمرأة: “نعم! أنا الآن رجل مثلهم!“ لقد أجدت التنكر. شعرت بالفخر وصفقت لنفسي. لماذا ننتظر الآخرون يصفقون لنا! وأطلقت على نفسي إسما. سميت نفسي وليد السعيد لأني ولدت من جديد وأشعر بالسعادة تغمر كياني تخرق روحي أطير حتى السماء السابعة

عزمت أن أخرج للشارع لأرى الأسفلت مبللا بالمطر في منتصف الليل. أراه بدون غطاء على وجهي. أمشي وأركض وألهو في غفلة منهم بدون أن أخدش حيائي أو أخدش حيائهم. أشم رائحة العشب والمطر والأرصفة والبيوت والناس. دق قلبي كمطرقة أسمع صوتها جليا. إزدادت سرعة تنفسي. شعرت بالإختناق. لا أستطيع إلتقاط أنفاسي. باغتني مغص شديد. إنها نفس الأعراض التي تنتابني عندما أدخل قاعة الإمتحان. لم أقدر على الخروج أو التحرك خطوة للأمام بل عدت للوراء وخر جسمي ممتقعا، مصفرا وجهي على كرسي منحني في غرفتي. شدتني القيود التي أعتدتها والأساور الذهبية للتسمر في مكاني تجللني الحيرة والخيبة والقلق. ماذا لو علموا بما أفكر فيه، بما يدور في رأسي ويقض مضجعي؟ كيف سأتصرف حينها؟ سأدعي أنني أسير وأنا نائمة لعلهم يغفرون لي مجرد التفكير بخرق قوانينهم الفولاذية

بدل أن أواجههم أو أخرج كسّرتُ تلك الليلة كل الدمى التي كان يجمح خيالي بها بعيدا فأمثل بها حكاية سندريلا وبيضاء الثلج وليلى الحمراء وزنوبيا وكليبوترا وبلقيس وأخيط لها الملابس المطرزة التي تليق بملكات وأدللها وأعتني بها، لويت أذرعتها جميعها ثم فصلت رؤوسها عن أجسادها، رميت بها على السجادة ودستها بقدمي، ووجوه النساء في الجرائد والمجلات رسمت لها كلها شوارب ولحى وفقأت أعينها. ابتلعت عبارات السب والشتائم القاذعة التي راودتني ودفنتها في مقبرة داخل رأسي. تمنيت لو أستطيع أن أطلقها كلها وشحن الغضب المترسبة في شراييني لتدمر نفاقهم وتفضح رجولته التي تستقوي على النساء فقط ولا تتجرأ أن تنتقد الواقع المر بكل تفاصيله المتناقضة لكني تعودت أن لا أشتم ولا أتذمر لأنني فتاة مهذبة جداً وعاقلة جدا

حددوا لي إطار المساحة التي أعيشها ضمنها، صندوق مجوهرات أزين بها جسداً شاءوا أن يكون رهينة منفراً أو مغرياً في زمن ومكان يختارونه، وعلبة مساحيق ألطخ بها وجهي وأُجَمِّلُ بها تشويه روحي، وأطلي قيودي بألوان ذهبية لكي أخدع نفسي وأقول أنها حلي أُهديت لي لتحفظني من الغواية، ودولاب ملابس تتصارع فيه ملابس فضفاضة تمحو خارطة الجسد وملابس ضيقة شفافة تسلط الضوء على كل النتوءات والتفاصيل، تبين أكثر مما تخفي، وكعوب عالية أتسلقها عندما نمثل كوميديا الحب السوداء

لكنني كنتُ دائما أشعر بأنياب القهر تمزق عقلي لأني في قرارة نفسي أعرف أني طاهرة منذ ولدتني أمي وأن لي إسم ووجه وعنوان وجسدي ليس عارا بل شمس دافئة، وأن لي حق في الحياة وممارستها مثلهم. شعرت بالغبن لأن الوطن يتسع للجميع ولا يتسع لأقدام وجسد أنثى! أصلا نحن النساء الوطن بأجمل تجلياته، بسهوله، بجباله، ببحره، بعشقه الناري، برمانه وعنبه، بزهرة مسكه، بفراشاته ونخله

في كل ليلة عندما أنام يخف جسدي من ثقله وكأن الجاذبية تنعدم شيئا فشيئا تتلاشى، وأعلو..أطير.. أطير.. أحلق عالياً. في البدء أشعر بالرهبة مخافة السقوط ثم أشعر بمتعة الطيران فالهواء يداعب ضفائري والسماء مبتهجة ترحب بي والسحب تسقيني رحيق المطر والنجوم تناديني لألعب معها الكرة.  تعمدت أن أنام طويلا كلما شعرت بالغبن والاحباط ليسكرني النوم ويأخذني إلى عالم يغمره النور والحرية كنت أتمنى أن لا أستيقظ لكن كنت أصحو من أحلامي مرة بعد أخرى والواقع كما هو بل أشد سوادا. لاحظت كلما زادت فترات نومي وهروبي من الواقع أشتدت مشاعري السلبية العدائية لكنها لم تتنفس بل كبتت واستحالت إلى إعصار داخلي يكتسح كل ثنايا الروح. تغيبت كثيرا عن المدرسة حتى فصلت منها لم أعد أهتم بشيء أو أطيق شيء حتى حبيبي السري الذي يحادثني متلصصا على الهاتف صرت أكرهه لأنه يذكرني بقمعهم وبترهم لأعضائي وأحلامي

 لا بل في مرة عندما أرتفع مستوى القهر في رأسي والكآبة في قلبي حاولت الانتحار لأغادر الزيف بدون عودة. ابتلعت أقراص علبة دواء كاملة لكن لسوء حظي أختي رأت العلبة فارغة وأخبرت أمي التي جاءت تصرخ وتندب: يا مجنونة! ماذا فعلتي بنفسك؟ لماذا هذه الفعلة الشنيعة؟ إن كنتِ تحبين أحدا أخبريني أكلم والدك ليتقدم لخطوبتك؟ لقد شوهتي سمعتنا بهذا الفعل السيء. الكل سيعلم ما فعلتِ وسينتشر الخبر على الملأ. لكنها لم تكن تعلم ولم أخبرها لأنها لن تفهم بأني كنت لا أحب أحدا ولكن أحب نفسي ونرجسيتي وأود أن أفقد حياتي لأني لا أطيق حياة الإماء. للأسف أخذوني سريعا للمستشفى وعالجوني. أعطوني محاليل اجبرتني على التقيء المستمر حتى آلمتني معدتي وضلوعي ورأسي وتجرح بلعومي من حموضه السائل اللزج المقزز الذى إندفع من داخلي. عندما عدت للمنزل رفض أبي التحدث إلي وأخي الأكبر عقابا لي لأني سودت وجههم أما أمي فصارت تبكي ليلا نهارا وتبتلع دموعها عندما تراني لتحدق بي بألم أما أنا فغدوت هيكلا عظميا وأمتنعت عن تناول الطعام والشراب بملء إرادتي

بعد أسبوع من تلك الحادثة واليأس يدب ويسري إلى عقلي. شعرت ببرودة نسيم هب من الشرق. بدأ يكسوني ريش نورس أبيض براق. أولاً شعرت بالعجب وتملكني الخوف الشديد. ماذا سأفعل وأنا مكسوة بالريش؟ سوف أنكشف وستسوء معاملتهم لي لأنني طير ضعيف لا حول له ولا قوة. فقد يذبحوني ويلتذون بأكل لحمي ويلقون بباقي أعضائي أو ربما يضعوني في قفص للفرجة والترفيه عن أنفسهم يسمعون زقزقتي ليطربون أو قد يجعلوني أرقص في حفلاتهم الماجنة وينظرون لريشي الملون كقوس قزح لتسعد غرائزهم المتهيجة

حسبته حلما لكنه لم يكن كذلك. أولا ذراعي اليمنى صارت جناحا أخفيتها بإرتداء ثياب فضفاضة بيضاء وأستخدمت يدي اليسرى للشرب والأكل والرسم. ثم عندما تحولت ذراعي اليسرى إلى جناح صار صعب جداً علي الإمساك بأي شيء فكلما أمسكت بملعقة أو قلم أو فرشاة سقطت فأبكي وأنتحب. وبعد محاولات فاشلة عديدة نجحت وشعرت بالفخر. بعد أسبوع تجاوزت المحنة الأولى لكن شعرت بحرارة حارقة في بلعومي. تحولت شفتاي، بدأتا تتصلبان وتتحدبان، نظرت في المرآة فرأيت منقارا صغيرا لبلبل جبلي قد ظهر لي. حاولت الكلام لكن لم أسمع سوى زقزقة جميلة آخاذة. سكتت لئلا يفتضح أمري. كيف سوف أتحدث وأجيب نداء أمي عندما تصرخ: “تعالي سريعا للمطبخ ساعديني! أو قومي حلي واجباتك! ثم مرت سبعة أيام أخر وعندها أختفت رجلاي وقدماي وظهر لي ذيل طاووس. ظهر لي ريش كثيف مثل لحاهم لكنه على عكسها جميل أملس ناعم براق طويل أزرق كالسماء وأخضر كالأشجار ومئات الألوان الفاقعة والدافئة والباردة. شعرت بالزهو ونفخت صدري لأني كنت أفتقدت رعشة اللون. أما أصابعي فصارت مخالب نسر قوية معقوفة تستطيع أن تلتقط طيرا صغيرا أو كبيرا وتصعد به إلى قمم الجبال الشاهقة لتسد رمقها وتطعم أطفالها

!أقتحمت النافذة بقوة. أخيرا حان وقت الطيران. صرت طيرا؟ صرت طيرا! صرت طيرا. لا أصدق نفسي لكنها الحقيقة

تحقق ما تمنيته خلال حياتي كلها. صرت امرأة ذات منقار بلبل جبلي وريش نورس بحري وذيل طاووس معجب بحسنه ومخالب نسر صحراوي. صارت تكسو جسدي الضئيل ألف ريشة وريشة. أملك مخالب حادة أدافع بها عن نفسي وأهاجم بها إن شئت. لدي عينا يمامة زرقاء تنفذ في أعماق البحار وتصعد إلى سقف الغيمات الماطرات. تستشعر أجنحتي الحب حتى من بعيد ولا تنفذ إليها سهام الكره والحقد والظلم. أهبط في الموانيء البعيدة على أشرعة السفن الغارقة، وأحيانا أحط في متاع عابرين يستسقون الماء وسنابل القمح فأسرقها منهم بدون أن يشعروا. نعمت بحياة هانئة لكن قصيرة جداً مثل شمعة أحترقت لتهدي روحها للآخر أو زهرة ذبلت وهي تمنح الحياة لمن أيتمها وهي طفلة. في موسم الخريف الماضي أشتد بي الحنين إلى الأرض لأني لم أعتد الحياة طويلا في السماء وبدت أهزل وأضعف، يتساقط ريشي، يتناثر، يحمله الهواء إلى مسافات بعيدة، تلتقطه أيدي الحالمين مثلي. وتنمو لي أصابع وأسنان وشفتان ويدان ورجلان وحنجرة. لم أستطع أن أهاجر إلى الجنوب مع بقية النوارس. فأغرقني الثلج وصقيع اليتم وحنظل الوحدة

.تحقق حلمي، صرت طيرا وحلقت بعيداً لكن لفترة قصيرة ثم نفقتُ عندما ضعفت قواي وتخلفتُ عن السرب

 في مقبرة الطيور أنا سعيدة أغني أحلامي وأمارس حريتي بين النوارس وعلى ذيل طاووس لم يهاجر. سأعود في قميص إمرأة أخرى. أحمل الشمس في يد والقمر في يد أخرى ومن شَعْرِي تنبثق كل ألوان الحياة. من مسته  النار سيذيب جليد المدن الممسوخة. من ذاق الخمرة لن يشرب الماء

نص ورسم: نجاة الشافعي

20/8/2015

النص من وحي لوحتي أعلاه "صِرتُ طَيراً “ وأيضاً من وحي النص النقدي الذي كتبه الناقد محمد العباس بعنوان قراءة في مجموعة "صدود" للشاعرة هيلينا بوبيرغ

 

ربما للحب زمن آخر

 

مكالمة مغتصبة. عانق صمتها صخبه بمودة. علقت خيوط شرنقتها الحريرية بشباكه. دعاها لمقابلة ضيوفه على عجل. أجابته باقتضاب بأنها تعبة ولن تستطيع أن تحضر. طلب منها أن تدعو الأخريات. أجابت بأنها مشغولة. خضب التوتر معالم صوته: "كما تشائين. سوف أتصل بك قريبا! باي!"  وقرَ نشيج البرد آذان حفله السفلي

أدركت أن وتراً ما قد أنقطع. شعرت بأن روحها هاجرت شمالاً فضلت طريقها إلى العش. انساب صوت أمها بعذوبة: "يا ابنتي اللي انكسر ما يتصلح! " تشظى قدرها فسيفساء كبتلات زهور القرنفل الجافة. مازالت باقات الزهور التي أهداها لها بمناسبة اسماها: (عيد الجنون) تحدق بها مليا

وصلتها منه رسالة الكترونية بعد شهر من الصوم. فضتها بتوق جناحي نحلة لهالات النور وسمرة الحقول لكن الأبجدية نفثت كل سمومها في صدرها. صفعها عرض شرائح سمج: ( فن التعامل مع الناس

انغرست بوصلة سفينة غارقة في راحة يدها وتدلت من أصابعها عقارب ساعة تآكل زمنها. داعبت ثمرة بطنها الناتئة برقة. مسحت شرايينها التي قفزت نافرة تحت جلدها المتغضن. يبدو أنها قد استوت قبل الأوان. أمطرها وابل من سكينة. دثرتها عنقاء الثلج بجناحيها. ربما للحب زمن آخر؟

لا جديد تحت الشمس في قدرستان

 قال شهريار يحدث شهر زاد عبر أحد برامج الشات في الإنترنت في الليلة الثانية بعد الألف: 

يوم أكثر من عادي في قدرستان. لا شيء جديد البتة. استيقظ قمر الزمان مبكرا في حوالي السابعة مساء وتصفح الجرائد اليومية: (أخبار قدرستان)، (الحقيقة)، (قدرستان اليوم). كافة الأحداث والمواضيع مستنسخة لكن صوره الملونة أضافت كثيرا من التألق والسحر على صفحاتها الصفراء. تناول فطوره في غرفة النوم ثم ولج غرفة المكتب بهمة عالية.  بدأ بممارسة عمله اليومي الشاق. أصدر كثيرا من الفرمانات. أنهكه التفكير بالنيابة عن رعيته. لا شيء يخالج نفسه سوى سبل تحقيق الرفاهية والسعادة لكافة أفراد شعبه فلا أحداً يماثله براعة ومهارة في إدارة شؤونهم العامة والخاصة فقد نذر نفسه لهم ولقضاياهم منذ اعتلائه العرش. 

وزعت الفرمانات الجديدة بالآلاف في قدرستان على وجه السرعة. ممنوع الوقوف في طوابير الخبز أو البنزين. ممنوع التجول في الأماكن العامة. ممنوع التمتع بإجازة نهاية الأسبوع. ممنوع خروج النساء من المنزل بدون محرم. ممنوع تناول الطعام بالملعقة والشوكة. ممنوع شرب المشروبات الغازية. ممنوع لبس الأحذية ذات الكعب العالي. ممنوع ركوب الطائرة. ممنوع استخدام الإنترنت... الخ. 

عندما أشرقت الشمس خلد قمرالزمان للنوم. اندس في فراشه الوثير. انزلق على ريش النعام. تدثر بأغطية الحرير. كانت رعيته تغط مثله في سبات عميق لأن آخر فرمان أصدره منعهم من النوم ليلاً. أما السلطانة قهرالزمان فلم يغمض لها جفن. شيء ما أقض مضجعها. أطلت برأسها من النافذة. كان ينتظرها بين الأشجار. ترددت ثم عزمت رأيها على أن تهتك الأستار وتغادر الأسوار بدون عودة. كانت قد اعتادت على أن تكتب مذكراتها حول ما يدور في القصر باستخدام كمبيوتر محمول صغير تخفيه في خزانة مجوهراتها. حفظت يومياتها على قرص اسطواني ممغنط. أخفتها تحت ردائها المذهب. لبست الكعب العالي ثم خرجت من بوابة الخدم الخلفية. 

تجولت في الحديقة لأول مرة في حياتها. استنشقت هواء الصبح العليل المضمخ برائحة البنفسج. أطلقت لشعرها العنان. ثم سلمت الأسطوانة لشخص وعدها بنشرها فيما وراء البحار لكنه فر بدون أن يصطحبها معه. رآها العسس فكبلوها على الفور في السلاسل والأغلال. وضعوها في الحبس تحت حراسة مشددة. اتهموهما بالتجسس لصالح الأعداء. توسلت إليهم أن يفكوا أسرها. أخبرتهم بأنها السلطانة قهرالزمان لكن لم يصدقها أحد وحسبوها مجنونة تنتحل شخصيتها. طلبت أن تقابل قمر الزمان لتدلي باعترافات خطيرة. وافقوا على مضض. 

عندما غربت الشمس استيقظ قمر الزمان من سباته. اسر الحاجب في أذنه ما حدث. انتفض واقشعر كمن أصابه مس. تفقد سريرها لكنه كان خاليا. سمح لها بمقابلته. جلس على كرسيه بعد أن ارتدى بذلته الرسمية.أمر الحاجب بأن يدخلها غرفة مكتبه. أمر الجميع بالانصراف. انكبت على قدميه تقبلهما. لم يرف له طرف. "أرجوك سامحني. أتوسل إليك أعفو عني." نظر إليها شزرا باحتقار شديد. "ماذا تريدين؟" أجابت: "أن أعترف بذنبي وأطلب منك العفو لما بدر مني. "لم يجبها. أدار وجهه فانتهزت الفرصة وتناولت مقص كانت تخبأه تحت سجادة فاخرة بجوار الباب. هجمت عليه فجأة كلبؤة من الخلف. قصت ظفيرته التي تدلت على ظهره. خر على الأرض مغشياً عليه. استلقت بجواره. ثم تجرعت السم الذي خبأته في فص خاتمها وأغمضت عينيها. تمرغت قدرستان بالأحلام الوردية تحت أشعة الشمس الدافئة لا يعكر صفوها شيء وسادت الطمأنينة والأمن وعم السلام والرخاء أصقاع البلاد. 

استيقظ قمرالزمان في مساء اليوم التالي منزعجا جداً وتفقد قهرستان. كانت تغط بجواره في سبات عميق. استدعى حاجبه على وجه السرعة وأصدر فرمانات عاجلة: ممنوع الأحلام في قدرستان، زيادة الضرائب على الدخل، زيادة رسوم الكهرباء والماء، ممنوع استيراد واستعمال وبيع الكمبيوترات وأقراص التخزين الممغنطة منعاً باتاً. 

وأدرك شهريار الصباح فسكت عن الكلام المستباح. سجل خروجه من برنامج الشات وأغلق حاسوبه.