ثلجٌ يشتعل

    إلى رفيقِ الدرب والنضال! ليظلَّ جمرُ الثورةِ متقدًا في قلبك، وليكن هذا الكتاب وقودًا لمسيرةٍ لا تعرفُ الانطفاء. معًا.. حتى النصر    وقعت عيناه على الإهداء، فتلبّد وجهه بظلّ ذكرى بعيدة أيقظت ما دُفِن في قاع روحه؛ ماضٍ كاد يبتلعه، ماضٍ غرس في داخله شوكًا وجراحًا تأبى البرء. بدا الكلام ينبض كبركانٍ ظلّ يتنفس في جوف الأرض حتى لحظة الانفجار.

    كان يحلو لرفيقه أن يتربّع في صدر المجلس، نافخًا صدره، يلوّح بيده، ثم يدوّى صوته: قال ماركس!

    يرمق الجميع من علٍ، ويُدير دفّة الحوار كما يشاء، ضامنًا لنفسه نصيب الأسد، تاركًا الفُتات للآخرين.

    ينصتون إليه كأنّ على رؤوسهم الطير، وبكلّ ثقة يُمطرهم بعاصفة من المصطلحات التي يحفظها عن ظهر قلب: الديالكتيك، الإقطاعيّة، الأوليغارشيّة، البرجوازيّة، الإنتلجنسيا، البروليتاريا،صراع الطبقات..

     تميز رفيقه بالصرامة، و ما زال يذكر حين أحرجه أمام الجميع، فقد احتدم النقاش، وسأله بدهاء: "لماذا تلبس ساعةً باهظة الثمن؟" فتلعثم. رمقه بنظرةٍ حادّة، ثم أردف متحديًا: "إذا كنت تؤمن فعلًا بالمساواة فتخلّص من امتيازاتك!"

    نزع ساعته فورًا، وجرّد نفسه من كلّ ما قد يدلّ على برجوازيّته. تخلّى عن أشيائه الثمينة، كأنه يتهيّأ لولادةٍ جديدةٍ على يديه، عاريًا من الامتياز، نقيًّا من الشبهة.

    هكذا انقضت ليالي شبابه، شغفٌ بقراءة الكتب، ومتابعة الأخبار، ونقاشات حماسية، وكؤوسُ شايٍ تتعاقب حتى الفجر. يعود منهكًا، يطويه النوم بلا مقاومة. 

    كان غِرًّا، هجر دراسته الجامعية، وقطع صِلاته بأصدقائه القدامى، ليكون في معية الزعيم؛ عضوًا فيما يُسمى، إعجابًا أو تهكّمًا، شِلّة المثقفين.

    ورغم تفكك الشلّة وانفصاله عنهم حين أنضجتهالتجارب، ما زالت الوشائج القديمة تشدّه إليهم؛ فإن لعنهم وتبرأ منهم في العلن، في قرارة نفسه يحنّ إليهم وإلى تلك الأيام الخوالي.

    تابع أخبار رفيقه من بعيد؛ أفَل نجمُه بعد سنوات المجد، وخَفَتَ بريق عباراته الرنّانة، وقلّ حضوره في الحياة العامّة. أما هو، فعاد إلى مقاعد الدراسة على كبر، وانفتحت أمامه أبواب، وأُوصدت أخرى.

    بلغه قبل فترة أن رفيقه قد أُصيب بمرضٍ عضالٍ أنهك جسده، وأنه يرقد في المستشفى. راودته نفسه أن يزوره، أن يصارحه بخطاياه، وبخيبة أمله، وبسَوْرات غضبه ونقمته عليه، لكن، هل من المروءة أن يُجري جردًا لحسابٍ قديم أمام رجلٍ يتكئ على حافة النهاية؟

    تردّد ولم يحسم الأمر حتى بلغه خبر وفاته. لام نفسه إذ لم يتسنَّ له أن يودّعه. أغلق كتاب "الثلج يشتعل" الذي مهره بإهدائه، ودموعه الثكلى تنهمر رغمًا عن إرادته. 

 

نجاة الشافعي