أجمل باذنجانة زرقاء غريقة في العالم

إلى كل العراقيات والعراقيين في ذكرى الاحتلال الرابعة،

إلى كل من تسري في عروقها ويسرى في عروقه هوى العراق وعشق كل ذرة من ترابه الطاهر.

قبِض عليه قبل ثوان قليلة من تفجيره للقنبلة في المكتب البيضاوي بالمبنى الرئاسي. ذو الشعر الأشقر القصير والعيون الزرقاء البراقة يحل كل عقدة ولا يصل متأخرا أبداً. ينشد حبل “الأكشن” الرفيع حول عنق المشاهد. ينخلع قلبه من محجره. تنقسم الشاشة مرة أخرى إلى أربعة إطارات. يدور في كل منها حدث يتزامن مع الأخرى. سيارة مصفحة تحت حراسة مشددة تنقله للسجن. طائرة عسكرية خاصة تقل القيصر إلى خارج العاصمة. غرفة إدارة العمليات في حالة استنفار تام. باذنجانة زرقاء جميلة تفر إلى البحر.

مسلسل أربعة وعشرون ساعة تدور طاحونته في رأسها المتعب. تغفو قليلا ثم تستيقظ. يشتد الألم في أسفل ظهرها. تدير زر الكمادة الكهربائية لتسخن أكثر. تحاول أن تنام. تتقلب ذات اليمين وذات الشمال. تتصبب عرقاً. تنزلق إلى الأسفل. تهوي. تغرق. تغزو جوفها المياه المالحة. تتقاذفها الأمواج. يلفظها البحر. تتمدد على الشاطئ بدون حراك. تتفحصها عينان فضوليتان. ترتدي نظارات سميكة سوداء. تعتمر قبعة من القش. ربما تحسبها ماردة انطلقت من قمقم أو عروس بحر أغواها القدر. تصبح بطلة روايتها القادمة: “أجمل باذنجانة زرقاء غريقة في العالم” . تترجم لكل اللغات. يكرمون الكاتبة ثم يحرقونها ويذرون رمادها في البحر.

تحب الباذنجان كثيرا لا بل تعشقه. تعده بطريقة شهية جدا. تستمتع بطهيه كما تتلذذ برائحته وطعمه الرائع. المتبل والمسقعة ومحشي الباذنجان وشيخ المحشي والدولمة والمقلوبة ومرقة الباذنجان والباذنجان بالصلصة البيضاء ومكدوس الباذنجان وطرشي الباذنجان والباذنجان على الطريقة اليونانية ومربى الباذنجان وسندويتشات الباذنجان المقلية كلها أطباقها المفضلة وضيوف مائدتها الدائمين. طالما تمنت لو كان لديها رأسمال كافٍ لتفتح مطعما يعد وجبات شعبية فقط بالباذنجان لكن ما باليد حيلة فزوجها قد وظف كل مدخراتهم في سوق الأسهم وخسرها. موردهم الوحيد الآن هو مرتبه الحكومي الذي ينقرض عند منتصف كل شهر. تواجهها في المنزل مشكلة معقدة. أبنها الأصغر يكره الباذنجان بينما الأكبر يعشقه مثلها ويكرر دائماً: “ماما أموت في الباذنجان.” الأصغر يأكله على مضض. ضبطته ذات مرة يلتهم اللحم المفروم ويلقي بالباذنجان. الأكبر يصر على أن تعد لهم الباذنجان على الغذاء أو العشاء أما الأصغر فيبكي بحرقة ويصرخ محتجا: “لا! لا! أبغى بتاتس ودزاز” –يقصد بطاطس ودجاج.

في غرفة التحقيق كبلوه بالسلاسل. مرت أربع وعشرين ساعة متواصلة. حرموه من الطعام والشراب. لم يذق طعم الراحة. هريكليز ينهال عليه بالضرب المبرح. يتوقف لبرهة. يلتقط أنفاسه. ينظر إليه شزرا. المترجم يتحدث بعربية ركيكة:”ستندم على ما فألته مستر سبارتوكوس”. يتواصل السب والضرب. يريه شريط فيديو حيث يجلس أولاده الأربعة على الأرض مقيدي الأيدي. يحيط بهم جند مدججين بالأسلحة. يعلو صوت نحيبهم. “من أرسلك؟ من مأك؟ أين سنأتم الكنابل؟ أين الباكي؟ تكلم أم نكتلهم أمام أينك واهد واهد!” ثم يرقق أسلوبه ويغريه بنعومة: “تكلم أشان تسير شاهد ولن نكتلك راه نأتيك حك لجوء سياسي وجنسية ونجيب ولاد وزوجة.” أخيرا ينهار: “لا! لا! أتوسل إليكم لا تقتلوهم! ليس لهم أي ذنب! أنهم مجرد أطفال!” واصل اعترافاته الخطيرة. خرج هركليز من الغرفة المعتمة. تنفس الصعداء. قهقه بصوت عالٍ: “الغبي لقد انطلت عليه الحيلة!” حدث زميله ساخرا. “الفيلم مفبرك. أخرجه فرانكشتين، أفضل مخرجي أفلام الأكشين في هوليود.” سقطت الشبكة في قبضة العدالة الحديدية وسيقت الخفافيش زمراً لغرف الإعدام.

أحب أن أنعم بقيلولة قصيرة بعد الغذاء. يتسمر أطفالي حول التلفاز لمشاهدة الرسوم المتحركة في محطة سبيستوون. أتسلل خلسة على أطراف أصابعي لغرفة النوم. أغلق الباب بالمفتاح. أغفو. مسلسل أربع وعشرون ساعة عالق في ذهني. أربعة مشاهد تطاردني. تستحوذ على مشاعري. هريكليز يقهقه بعد أن أنتصر على الشر. زوجي ينام على الأريكة في غرفة المكتب. الصالة حيث يشاهد أطفالي الأربعة التلفاز. باذنجانة زرقاء يغالبها النعاس. تتسارع دفة الأحداث. ينتهي مسلسل توم وجيري. يكتشفون غيابي. يندفعون إلى غرفة النوم. يطرقون الباب. يتزايد طرقهم شدة وإلحاحا. يواصلون الطرق. يركلون الباب بأقدامهم. يدفعونه بأيديهم وأجسادهم. يعلو عوائهم. أمقتهم. أكره نفسي. أسارع بالنهوض لأن الباب على وشك السقوط. حتماً سيستيقظ والدهم من قيلولته وسيوبخني كعادته.

قمت رغماً عن أنفي. سأقوم بتحفيظهم دروسهم وحل واجباتهم. كان أمر العشاء يقلقني أيضا. “يا ترى ماذا سأطعمهم؟” تذكرت لدي في الثلاجة كيلو باذنجان أسود لذلك سأعد لهم متبلا للعشاء فهو لا يستغرق وقتا طويلا وسأقلي بعض البطاطس إرضاء لابني الصغير. أما والدهم فسيتعشى في الخارج كعادته. يبقى أن أحممهم ثم أقرأ لهم قصتهم المفضلة غرايندايزر. حين ينامون سأستمتع بمشاهدة مسلسلي المفضل وحدي ثم أخلد للنوم.

19 مارس 2007 م

في الذكرى الرابعة لاحتلال العراق

ماراثون العيد

.حمى أصابت جوالي فأصبح ينتفض بلا إنقطاع

.سيل لا ينتهي من التهاني بالعيد

. أنا لا أجيد الركض في ماراثون العيد

:ماذا أرد عليهم؟ أأقول الحقيقة

“!أن العيد لم يأتي بعد”

:أو أتحداهم وأقول

“!دلوني علي قميصه إن أستطعتم”

.جبنتُ عن تحدي القطيع

:أرسلتُ لهم

“!عيدكم مبارك. تصبحون على خير”

٢٤ اكتوبر ٢٠٠٦م 

ثاني أيام عيد الفطر السعيد

رسم نجاة الشافعي

رسم نجاة الشافعي

الضوء في آخر النفق

 1

سارا في النفق المعتم يتخبطان كانا وحيدان جداً توقفا برهة لإلتقاط أنفاسهما

قال: هل ترين ضوءا في آخر النفق؟

قالت: لا أرى شيئاً!

قال: تمعني جيدا لتريه!

قالت: ما زلت لا أرى شيئاً!!

قال: أرتدي نظارتك لتريه!!

قالت: لا فائدة لا أرى شيئاً!!!

قال: جربي أن تغمضي عينيك لعلك تريه!!!

قالت: أجل أجل لقد رأيته الآن، أراه بوضوح!!!!

وانطلقا يمشيان في النفق هو يمسك بيدها وهي تدله على الطريق، وشيئاً فشيئاً أتسعت دائرة الضوء التي تحيط بهما ثم غمرهما تدفق نوراني هائل.

كنت أغادر المنزل أحياناً عند العصر إما لشراء الآيس كريم من أبو أحمد في محل البقالة الصغيرة المقابل لبيتنا أو لزيارة بيت الجيران للعب مع صديقتي وديعة وكنت في بعض الأحيان أرى امرأة تلتحف بعبائتها السوداء وتسدل الغطاء على وجهها وتمسك بيد رجل عجوز أعمى متكأ على عكازه الخشبي عيناه بهما بياض شاسع غطى على السواد، تسير مهرولة به وقامته تتهادى للأمام والخلف ثم تقطع الشارع العام حتى تختفي عن ناظري. كنت أشاهد هذا المنظر فأتأثر بشدة وأكاد أبكي في داخلي لوفاء تلك المرأة النادر وتضحيتها واتسأل في قرارة نفسي من تكون تلك المرأة؟ هل هي أبنته أم أخته أم زوجته ؟ لماذا تسير بعجلة؟ وإلى أين تقوده؟ وتكرر ذلك المنظر في طفولتي المبكرة ورسخ في ذاكرتي كصورة من صور التضحية والوفاء والآن عندما أسترجع ذلك المشهد يراودني سؤال ملح: لو كانت تلك المرأة هي العمياء هل سيقودها ذلك الرجل سواء كان أبوها أو أخوها أو زوجها ؟ لكن كنت أستعيذ بعدها من الشيطان لأن لو تفتح باباً للشيطان.

3

حدثتني عمتي قبل عدة سنوات ليست بالقليلة عن زوج جدتي لأبي الذي تزوج امرأة عمياء كان هو رجل طاعن في السن وكانت هي شابة في أواخر العشرينات لم يتقدم أحد لخطبتها لأنها ولدت من بطن أمها وهي عمياء لذلك لم تفتقد العالم الخارجي لأنها منذ صغرها كانت تعيش في عالم آخر نسجته بنفسها وسنين عمرها الغض سكب عليها نفط أسود غليظ فالتصقت ببعضها البعض فلم تعد تميز بين واحدة وأخرى عمتي تقول أنه بعد زواجهما بدت الفتاة سعيدة وكانت تقوم بحقوقها وواجباتها الزوجية على أتم وجه تطبخ وتكنس وتغسل الملابس وتعتني بزوجها لكن لا تخرج من البيت على الإطلاق وحتى زوجها أقعده المرض وظل حبيس الفراش حتى توفي لكن تتوقف عن ذاك الحد لأنها لا تعلم عن المرأة شيئا بعد ذلك سوى أن أهلها جاءوا وأعادوها لعالمها ثانية.

4

من أفضل ألعابي وأحبها إلى نفسي عندما كنت طفلة صغيرة كان أن أغمض كلتا عينيي بقوة ثم أضغط على جفنيي بأصبعي السبابة والإبهام فأرى أشكالا وزخارفا وألوانا عديدة، في البدء تتداخل الصور فيما بينها فلا أميزها كشعور من يلج نفقاً معتماً بعد أن كان في الضوء الساطع، ثم تتضح الرؤية أمامي شيئا فشيئا بعد أن تعتاد عيناي على الظلام فتغمرني السعادة للصور الزاهية التي أراها، أرى سماء واسعة وطيورا وفراشات أحلق معها، وأرى قصورا ضخمة واحدا منها لي وحدي أتجول في غرفة الواسعة ثم أصل لغرفتي التي تحوي أثاث فخم لم يره أحد من قبل وسريري مفروش بريش النعام لأتزحلق عليه وأنام أيضا وخزانات ملابسي ضخمة بحجم المحلات التي في الأسواق وبها ملابس على أحدث الموضات العالمية وتتوسط الغرفة مرآة كبيرة مرصعة حوافها بالذهب ولدي من الحلي جميلة ذهب وفضة وألماس ومجوهرات ما لا يعد ولا يحصى وفي الركن ثلاجة كبيرة أو حتى بقالة صغيرة كبقالة أبو أحمد بها كل ما تشتهيه نفسي من شوكولاته وحلويات وكعك وأيس كريم ومكسرات وعصيرات ومشروبات غازية، وأرى فارساً شهماً على حصان أبيض يختطفني بين ذراعيه ويقيم لي حفل زواج أسطوري كزواج ديانا سبنسر أو حتى أفضل منه فتعم الاحتفالات أرجاء المملكة وتمد الولائم عشرة أيام بلياليها لعامة الشعب، وأرى أني أصبحت سيدة منزل أنيقة لي أبنتان وولدان مطيعان أدير مؤسستي الخاصة وأسافر في كل شهر لعقد الصفقات مع كبار المؤسسات في الخارج لكن سرعان ما تنتشلني من أحلامي الوردية كلمات أمي السوداء وهي تناديني بأعلى صوتها: “هيا تعالي بسرعة! هل أنت عمياء! ألا ترين شيئا لقد أتسخت ملابس أخاك بالحليب! تعالي أمسكي بالزجاجة وأسقيه الحليب هو لا يجيد إمساكها لوحده، هيا أسرعي إنه ما زال يبكي جائعاً! وبعد أن تنتهين من إطعامه خذيه للحمام!

 

 4/10/2006