وردة الوتسب اليتيمة

design.jpg

في عيد ميلاده الثامن والخمسين الذي يصفه بعيد ميلاده الخامس والخمسين

وكأن مفارقة منتصف الخمسينات بالنسبة له معضلة عظمى

سلبه المرض بعض قواه وما يزال متعجرفا مصرا أنه أقوى وأصغر لا سيما بعد أن صار يصبغ شعره باللون الأسود بينما لحيته مصطبغة بالبياض في مفارقة عجيبة 

أهديتهُ جوال فضي غالٍ نزل للتو في الأسواق لأتصل به عندما أريد لأن جواله الآخر دائما خطه مشغول

فرح بهديتي وخبأه في جيبه

حدثتهُ طويلا عن الورد أشكاله وأصنافه ورائحته وافتتاني باطواق الفل تزين رقبتي القصيرة أو الياسمين اتوج بها رأسي الصغير علّه يهديني باقة حتى لو كانت بلاستيكية لا مانع لدي لكن لم يجدي كل ما سطّرته ونمقته من كلمات

أبديت إمتعاضي بأنه إذا لم يمكنه الاتصال أو كتابة مسج، على الأقل يمكنه بضغطه زر لا تستغرق ثانية ولا تكلف شيئا أن يرسل وردة على تطبيق الوتسب الذي قليلا ما نتحدث فيه

وعلى مضض صار يرسل لي وردة على تطبيق الوتسب من فينة لأخرى

إن كان مزاجه رائقا ونادرا ما يكون يرسل ثلاثة ورود حمراء لكن معظم الأحيان يكتفي بوردة واحدة فقط

في يوم ذبلت وردة الوتسب اليتيمة

وكان خط الجوال الفضي الذي منحته له دائما مشغولا

ثم صار الخط مغلقا طوال الوقت

سائني ذلك فألغيتُ حسابي في تطبيق الوتسب

وصرتُ أرسم الورود الصفراء على الورق

كتابة ورسم

نجاة الشافعي

١٢ مايو ٢٠١٩ م

 

 

 

على قائمة الانتظار

 

ارتشفتا القهوة الأمريكية وأكلتا شيزكيك في مقهى ستاربوكس عند الكورنيش. مدرستان وصديقتان حميمتان منذ التقيتا في الغربة في مدرسة في الريف ثم نقلتا لحسن الحظ إلى المدينة بعد سنوات عجاف من المعاناة والسفر الطويل والمصاعب

 .تحدثتا بصوت خافت لئلا تلتقطه آذان الفضوليات والفضوليين في المقهى المكتظ 

!سأمت من حياتي. هل تتصورين أنه يضعني على قائمة الانتظار” 

“!ماذا تقصدين؟ كيف انتظار” 

كلما أحاول الاتصال به يخبرني أنه مشغول وسيحدثني عندما يفرغ ثم أنتظر ولا يتصل. ونفس الشيء عندما أبعث له رسالة لا  يرد. أشعر بالإهانة والغضب والحزن الشديد لقسوته وجفاءه. لم أتوقع منه بالذات هذه المعاملة. أحببته حبا جما لكنه لا يستحق  محبتي. أشعر بأني لا مكان لي في حياته. يعاملني كشيء إضافي متى ما شاء حدثني حتى في الأوقات الغير مناسبة لي، أما إذا لم يرغب يتجاهلني تماما. دائما لا حظّ لي في الحياة  

قرعتها صديقتها بشدة  -قلت لك من قبل أنت من أخترت هذه الحياة. دائما تكررين أنك لا تودين أن تشعري بالوحدة وأنا أفهم شعورك لكنك بالنتيجة تدفعين الثمن أضعافا مضاعفة. نعم أنت وعديدات مثلك على قائمة الانتظار، وهم يحومون كالفراشات حول الزهور متى ما شاءوا! الإخلاص غير موجود في عالمنا فقط  أنانية وخيانة وغش تسود علاقتنا الإنسانية للأسف.  أنظري إلي على سبيل المثال. الحمد لله لا أحتاج رجلا في حياتي. لدي الكثير مما أفعله: أعمال خيرية وأنشطة ثقافية والكثير من الرفيقات أقضي معهن الوقت مستمتعات مبتهجات. جربت مرة واحدة فقط ثم قررت ألا أكون ضحية وتطلقت من زوجي. عاهدت نفسي ألا أنتظر شخص يضعني على قائمة الانتظار. نصيحتي تخلصي منه قبل أن يتخلص منك فالنهاية قد تكون قريبة

أجابتها وهي تهز رأسها: لا! لا! أنت دائما تشائمية، ترين فقط النصف الفارغ من الكأس بينما أنا أنظر إلى الجزء الممتلىء منه وسترين أنها فقط مشاغل وسيعود مثل الطائر، يطير ويعود إلى عشه بعد العناء والتعب 

قطع حديثها رنين جوالها بنغمة خاصة، أجابت بابتسامة عريضة والدنيا لا تسعها فرحا: “هلا ومرحبا! أنت! لم أتوقع تتصل الآن حبيبي ! من زمان لم تتصل! ثم ابتلعت ريقها واحمرت أوداجها وسالت دموعها: “ماذا! لماذا؟ كيف كل شيء أنتهى بيننا!!أعطني فرصة أخيرة. دعنا نلتقي وجها لوجه ونناقش الموضوع. أنا أحبك، أنا أعشقك، أنت روحي. الو! الو! الو

صديقتها أطرقت برأسها وكادت نظراتها تفضحها وابتسمت في داخلها فهي العش الجديد الذي حط فيه الطائر

 

نجاة الشافعي

٨/٥/٢٠١٩م

المرأةُ المُعَنَّفَة

 

المرأة المُعَنَفَة حدثتني على الجوال وهي تنتحب كمن يحتضر، بصوت يعلو تارة ويخفت أخرى وعندما تشتد نوبة البكاء وتشهق لا أكاد أميز ما تقول. ثم تماسكت قليلا بعد طوفان البكاء قائلة: هدى، أنتِ صديقتي الوحيدة وسوف أصارحك بسري فأدفنيه في بئر الصمت. خلاص,، زوجي انتهيت منه، سوف أطلقه هذه المرة، ولن أعود ولن أنظر إلى الوراء، احترقت كل جسور الود بيننا، لن أنسى كل ما فعله، مستحيل أغفر له خيانته، سأمت حياتي معه وأكاد أُجَن، وكلما ضاقت بي الدنيا صرت أشرب القهوة بشراهة وأدخن ليلا ونهارا وأصرخ وأضرب أطفالي وأحيانا أضرب حتى نفسي، صدري حتى يحمر ورأسي حتى يفترسني الصداع. وأكثر من مرة فكرت بالانتحار والهروب من المنزل. أعطيته فرص عديدة ولم يغير أسلوبه أو معاملته لي

صدقتها وتعاطفت معها فنحن جيران منذ أبصرنا الدنيا ودرسنا معا في المدرسة وتزوجنا في نفس السنة. قدمت لها العديد من النصائح على طبق من ذهب: توقفي عن هذه العادات السامة التي تقتلك ببطء فمن لأبنائك غيرك. عبري عن مشاعرك بالحديث لمختصة نفسية ولا تكتميها لأنها كالقنابل قد تنفجر في داخلك وخارجها. اتصلي بأحد من أهله لكي توضحي لهم ما حدث بينكما ولكي إما يصلح ما بينكما أو حتى ينهي الأمور العالقة في المستقبل. اكتبي كل ما يزعجك منه في ورقة وحسناته.

فقاطعتني متهكمة: حسناته؟ ماذا؟ هو شيطان رجيم يلبس لبس حمل وديع، مخادع منافق كذاب. أنا من أوقفته على رجليه وصرفت عليه من جهدي ووقتي وكل ما أملك ولكن لم يثمر الجميل وعض اليد التي امتدت إليه. إنه إمعة ناكر للجميل. وآخر الدواء الكي. أجبتها: إن كنتِ متأكدة هذه المرة فتحدثي لوالدك لينهي الموضوع وليحاول أن يحصل لك على حضانة أبنائك إن أثبتم أنه ليس بكفء لرعايتهم.

 صرنا نتقابل ونتصل ببعض على مدى أسبوع كامل، ثم حدثتها في اليوم الثامن لاطمأن عليها فقالت: عادت المياه إلى مجاريها وأرتجف صوتها، أطفالي لأجلهم سامحته، لكن منذ رجع للمنزل لم أنظر في عينيه ولا أود أن أناقش شيئاً معك الآن.

أقفلتُ سماعة الجوال غير متفاجئة. هي كما هي لم تتغير. تقف على حافة الجبل الشاهق وتنظر للأسفل فترى العالم صغيرا كدمية، ثم تنزل من الجبل وترى ما رأته ضخما كبيرا. خالجني شعور أنها سوف تحدثني بعد فترة ليست بعيدة.  

 

نجاة الشافعي

٢٢ ابريل ٢٠١٩م

Circles and Lines .JPG

لوثة الكلام

حدثتُ نفسي مبتهجة قائلة إنه عندما يسافر قد تتاح لنا الفرصة أن نتجاذب أطراف الحديث لمدة أطول، وليس كما الآن نَسْتَرِّقُ الفُرص عندما يحدثني باستعجال مستخدما أحد برامج التطبيقات على الجوال اثناء إدائه لبعض الأعمال اليومية.

في يوم ذهب يشتري الآيسكريم وكان يتحدث معي وهو ينتقي صنوف الآيسكريم ويسدد النقود، وفي يوم آخر اشترى جهاز تكييف وكنت أيضا على الخط حتى أتم الصفقة، وفي يوم ثالث كان يقابل زبونا ويناقشه في بعض أمور البيع والشراء، وفي يوم رابع ذهب للسوق ليبتاع حذاء رياضي رغم أنه توقف عن المشي منذ سنتين، وفي اليوم الخامس ابتاع عصيرا ليطفئ عطشه، وفي ما بين الذهاب والإياب يكون حديثنا متقطعا سريعا لاهثا برائحة عصير العنب والتفاح ونكهة آيسكريم الفراولة والشوكولاتة وبرودة جهاز التكييف. 

هو أيضا لديه ثلاثة خطوط هاتفية وجوالان وتطبيقي وتسب لكل جوال وتطبيقات هاتفية أخرى وعدد من وسائل التواصل الاجتماعي كالتويتر والانستجرام والسناب شات وغيرها تأخذ حيزا كبيرا من وقته. كذلك يمتلك علاقات شاسعة تراكمت عبر الزمان أكثر من أن تعد وتحصى، ينفض غبارها بين الفينة والأخرى عن طريق صباحيات وتسبية جماعية يومية في شبكة عنكبوتية مترامية الأطراف من العلاقات الاجتماعية.

لكن للأسف فقط تحدثنا في اليوم الرابع من سفره لأقل من خمسة دقائق وبعدها غزانا الصمت القاتل. هو يقول إنه لا يجد الوقت في خضم جدوله المزدحم وعند نهاية يومه الحافل يكون مرهقا ولا يستطيع الاتصال، وأنا أقول إنه ليس مهتما والله وحده يعلم. فقد يتذرع بالمشاغل والتعب لأن من يهتم يُرغم الفرصة أن تحدث، وعندما يكلم الخطيب خطيبته يخف التعب والنصب لا بل يسري شعور بالسكينة وتنبثق طاقة وجدانية وروحية من وقع كلمات المحبة والاتصال النفسي بالمحبوب.

 أخبرته في الماضي أكثر من مرة أن تواصلنا صار مستحيلا وهو يقول بالعكس إن المستحيل ممتع وشيق فهو تحدٍ يبعث الدفء وروح المغامرة ويكسر الرتابة، وأنا اقول إن المستحيل غير ممكن والله أعلم.

أصابتني خيبة أمل شديدة لشحة اتصالاته في سفره وتناثرت دموعي على وجنتيي، وتكسرت أحاسيسي حمضا يحرق حنجرتي، أكاد أختنق، وأزيز الجفاء يخترق ضلوعي. صرخت في داخلي: أغثني يا إلهي يا أنيسي في هذا السحر الرائق، سأشد إليك الرحال لتعالج مني الروح الممزقة والجسد المنهك وتَجبر حلمي المكسور المدد جثة هامدة يلتقط أنفاسه الأخيرة.

 هي لم تخبره إنها تشم رائحة أنثى تحت ياقة قميصه، وأن الثلج قد أحرق صبابة جسر الحديث بينهما. صامت عن الكلام المباح عندما لاح لها الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. 

أما هو فعندما استفاق من غيبوبة الزمن أرسل رسائل وتسبية برودكاست جماعي للوتسبيون والوتسبيات ولها: صباح الورد والفل.

وكعادتها أرسلت له رابط القصة القصيرة التي كتبتها "لوثة الكلام" في صفحتها الإنترنتية على وتسبه، وكعادته لم يفتح الرابط ليقرأ ما كتبته. 

 

نجاة الشافعي  

٢٢ ابريل ٢٠١٩م

upload.jpg

 تصوير نجاة الشافعي منتزه سيهات ٢٠١٩ م