!آه يا ليل

آه يا ليل

في قلبي حجر

وفي كأسي نيازكٍ هوت من لُجة السماء

فأشعلت نيرانها في وليمة عشائنا الأخير

.ورفاقي لم يحضروا حفل عرسي الجنائزي

 

آه يا ليل

في فمي

مرارة بحر صوفي غرق قبل الطوفان

هجرته شواطئه السمراء

مراسي سفن صدئة تمخر عباب الرمل

نشيج بحارة شربوا ماء البحر فأنهكههم الظمأ

بهجة أطفالي لمرأى أقرانهم يعيثون عبثاً

عنفوان أمواج يداعبها صخب النسيم

دفق زخات مطر خريف حارقة

.حبور فراشات ربيع النهايات

 

آه يا ليل

رأسي سمكة عالقة

بريشة نورس مهاجر إلى الشمال

.وجناح المساء يغويني بالرحيل

 

آه يا ليل

ضباب كثيف يخنق عينييّ

تسقط أهدابي أشواكاً

في أحضان أشجار الصنوبر

أحدق في عتمة سرمدية

تسرق وهج القمر

وملامح نجوم تائهة

.في غربة ليلية لا تتوقف

 

آه يا ليل

أكاد لا أراها

نبتت في ضلوعها المنكسرة

شظايا زجاج الشوق

حصدت عشقها سكينة غدر

.وراء الباب

 

آه يا ليل

لو تجمع ما في صدري

من أصداف اليتم

لسقيتك عطشاً من نهر الفرات

.حتى تثمل

 

آه يا ليل

لو تسمع ما يشدو في أذني

لأطربك شجن ترنيمة غزل عراقية

.أنشدها لأطفالي لينامون

 

آه يا ليل

أبنائي عشرة     

مسافرون بدون حقائب

أسافر معهم في أحلامهم كل ليلة

أقبل صورهم كل صباح

أمسح وجوههم المتوهجة حزناُ

.أضم وسائدهم الباردة إلى نحري

 

آه يا ليل

أهواهم

لست أنساهم

أَعِد لي صدى ضحكاتهم

أَعِد لي شهقاتهم الملهوفة

أَعِد لي رائحة البحر

أمنحني فقط نظرة أخيرة

أنسجها في خيوط اللقاء

ترن في ناموس ذاكرتي

ألتصق بها بحميمية

قبل

أثناء

بعد

.الفراق

 

آه يا ليل

لن أرحل قبل أن أراهم

سأنتظرهم حتى يعودون

.سأنتظرهم حتى يسأم مني الانتظار

 

نجاة الشافعي

لا حياة في الحب


وكلما قلت إنّي ارتويتُ من الحب لا أرتوي

وكلما قلت سأنتهي من العشق لا أنتهي

وكلما قلت سأتوب عن البوح لا أنثني

   وكلما قلت هو فنائي أعود إلى النار أرتمي

وكلما قلت هذه آخر كأس أتجرعها لا أكتفي

أنا بذرة وهو التراب والماء والهواء وأنا إليه أنتمي

 .القتل في الحب عادتي فالمحب لا يرعوي

 ‏

العصفورُ و السجّان

Shadow+of+Flowers.jpg

أحبُ سعف النخل تشدو فوقه قوافل النحل

الورد الجوري يغني في الحقل

أهازيجَ متيمة بتراتيل الوسنان

 

أتوق إلى لمسة طفل يداعب ريشي

تُلهمني براءة عينيه أملاً في انعتاقي

يشنّف أذني ضِحكُهُ الرنان

 

أحلمُ كل صبح بأعمدة النور

تنسلّ من عباءة الليل

أسمعُ شهيق الصبح متدفقا 

أبحرُ في مآقي الشطآن

  

أحلق نسرا مرجانيا

من دفة الشجن أطير

 إلى أشرعة السفن الصدئة

أحوم حول شقائق النعمان

 

إن القمني القهر حجرا أو حبا سيان

 أمد جناحي الصغير إليه مصافحا بحنان

أحنو برقة على ضفائر الأقحوان

 

أُشعلُ منقاري قنديلا في البحر

أروم وصلا بفراشات المطر

قلبي تبرعمت فيه السنابل كالدرر

ما بيني وبين عشي آلاف الخِلجان

 

أعيدوا لي رفاقي

أحضروا لي قميص أمي

نبض روحي المسلوبة مني

ذكرياتٌ غدر بها الزمان   

 

ما أشد قيود الروح

تشد عنقي للقاع

لا حلم يذكرني أو حبيب

جنازتي تسير خلسة بين الأحياء

غبارٌ يلفنِي في مرايا النسيان

 

 قيح أغلالي  

أشواك غربتي 

كآبة قفصي النحاسي

طعناتهم في ظهري

توهجت في سماء العرش كزهر الرمان

 

تُصلبُ حريتي غيلة

تُسلب أحلامي عنوة 

لكن ها قد أسفرت عناقيد فجر قرمزية

قطافها قد حان

 

عند رحيل البلابل

تنزلت في قفصي نوارس تتلو القرآن

أسرَّ خامسهم في أذني

فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ 

لقد آن الأوان

 

كَسَّرْتُ جدران الصمت مغردا

للعصفورِ مثلي حياةُ السوسن

تخفقُ نوراً عندما يرتفع الآذان 

٢٩ شعبان ١٤٤٠ هـ 

المرأةُ المُعَنَّفَة

 

المرأة المُعَنَفَة حدثتني على الجوال وهي تنتحب كمن يحتضر، بصوت يعلو تارة ويخفت أخرى وعندما تشتد نوبة البكاء وتشهق لا أكاد أميز ما تقول. ثم تماسكت قليلا بعد طوفان البكاء قائلة: هدى، أنتِ صديقتي الوحيدة وسوف أصارحك بسري فأدفنيه في بئر الصمت. خلاص,، زوجي انتهيت منه، سوف أطلقه هذه المرة، ولن أعود ولن أنظر إلى الوراء، احترقت كل جسور الود بيننا، لن أنسى كل ما فعله، مستحيل أغفر له خيانته، سأمت حياتي معه وأكاد أُجَن، وكلما ضاقت بي الدنيا صرت أشرب القهوة بشراهة وأدخن ليلا ونهارا وأصرخ وأضرب أطفالي وأحيانا أضرب حتى نفسي، صدري حتى يحمر ورأسي حتى يفترسني الصداع. وأكثر من مرة فكرت بالانتحار والهروب من المنزل. أعطيته فرص عديدة ولم يغير أسلوبه أو معاملته لي

صدقتها وتعاطفت معها فنحن جيران منذ أبصرنا الدنيا ودرسنا معا في المدرسة وتزوجنا في نفس السنة. قدمت لها العديد من النصائح على طبق من ذهب: توقفي عن هذه العادات السامة التي تقتلك ببطء فمن لأبنائك غيرك. عبري عن مشاعرك بالحديث لمختصة نفسية ولا تكتميها لأنها كالقنابل قد تنفجر في داخلك وخارجها. اتصلي بأحد من أهله لكي توضحي لهم ما حدث بينكما ولكي إما يصلح ما بينكما أو حتى ينهي الأمور العالقة في المستقبل. اكتبي كل ما يزعجك منه في ورقة وحسناته.

فقاطعتني متهكمة: حسناته؟ ماذا؟ هو شيطان رجيم يلبس لبس حمل وديع، مخادع منافق كذاب. أنا من أوقفته على رجليه وصرفت عليه من جهدي ووقتي وكل ما أملك ولكن لم يثمر الجميل وعض اليد التي امتدت إليه. إنه إمعة ناكر للجميل. وآخر الدواء الكي. أجبتها: إن كنتِ متأكدة هذه المرة فتحدثي لوالدك لينهي الموضوع وليحاول أن يحصل لك على حضانة أبنائك إن أثبتم أنه ليس بكفء لرعايتهم.

 صرنا نتقابل ونتصل ببعض على مدى أسبوع كامل، ثم حدثتها في اليوم الثامن لاطمأن عليها فقالت: عادت المياه إلى مجاريها وأرتجف صوتها، أطفالي لأجلهم سامحته، لكن منذ رجع للمنزل لم أنظر في عينيه ولا أود أن أناقش شيئاً معك الآن.

أقفلتُ سماعة الجوال غير متفاجئة. هي كما هي لم تتغير. تقف على حافة الجبل الشاهق وتنظر للأسفل فترى العالم صغيرا كدمية، ثم تنزل من الجبل وترى ما رأته ضخما كبيرا. خالجني شعور أنها سوف تحدثني بعد فترة ليست بعيدة.  

 

نجاة الشافعي

٢٢ ابريل ٢٠١٩م

Circles and Lines .JPG

لوثة الكلام

حدثتُ نفسي مبتهجة قائلة إنه عندما يسافر قد تتاح لنا الفرصة أن نتجاذب أطراف الحديث لمدة أطول، وليس كما الآن نَسْتَرِّقُ الفُرص عندما يحدثني باستعجال مستخدما أحد برامج التطبيقات على الجوال اثناء إدائه لبعض الأعمال اليومية.

في يوم ذهب يشتري الآيسكريم وكان يتحدث معي وهو ينتقي صنوف الآيسكريم ويسدد النقود، وفي يوم آخر اشترى جهاز تكييف وكنت أيضا على الخط حتى أتم الصفقة، وفي يوم ثالث كان يقابل زبونا ويناقشه في بعض أمور البيع والشراء، وفي يوم رابع ذهب للسوق ليبتاع حذاء رياضي رغم أنه توقف عن المشي منذ سنتين، وفي اليوم الخامس ابتاع عصيرا ليطفئ عطشه، وفي ما بين الذهاب والإياب يكون حديثنا متقطعا سريعا لاهثا برائحة عصير العنب والتفاح ونكهة آيسكريم الفراولة والشوكولاتة وبرودة جهاز التكييف. 

هو أيضا لديه ثلاثة خطوط هاتفية وجوالان وتطبيقي وتسب لكل جوال وتطبيقات هاتفية أخرى وعدد من وسائل التواصل الاجتماعي كالتويتر والانستجرام والسناب شات وغيرها تأخذ حيزا كبيرا من وقته. كذلك يمتلك علاقات شاسعة تراكمت عبر الزمان أكثر من أن تعد وتحصى، ينفض غبارها بين الفينة والأخرى عن طريق صباحيات وتسبية جماعية يومية في شبكة عنكبوتية مترامية الأطراف من العلاقات الاجتماعية.

لكن للأسف فقط تحدثنا في اليوم الرابع من سفره لأقل من خمسة دقائق وبعدها غزانا الصمت القاتل. هو يقول إنه لا يجد الوقت في خضم جدوله المزدحم وعند نهاية يومه الحافل يكون مرهقا ولا يستطيع الاتصال، وأنا أقول إنه ليس مهتما والله وحده يعلم. فقد يتذرع بالمشاغل والتعب لأن من يهتم يُرغم الفرصة أن تحدث، وعندما يكلم الخطيب خطيبته يخف التعب والنصب لا بل يسري شعور بالسكينة وتنبثق طاقة وجدانية وروحية من وقع كلمات المحبة والاتصال النفسي بالمحبوب.

 أخبرته في الماضي أكثر من مرة أن تواصلنا صار مستحيلا وهو يقول بالعكس إن المستحيل ممتع وشيق فهو تحدٍ يبعث الدفء وروح المغامرة ويكسر الرتابة، وأنا اقول إن المستحيل غير ممكن والله أعلم.

أصابتني خيبة أمل شديدة لشحة اتصالاته في سفره وتناثرت دموعي على وجنتيي، وتكسرت أحاسيسي حمضا يحرق حنجرتي، أكاد أختنق، وأزيز الجفاء يخترق ضلوعي. صرخت في داخلي: أغثني يا إلهي يا أنيسي في هذا السحر الرائق، سأشد إليك الرحال لتعالج مني الروح الممزقة والجسد المنهك وتَجبر حلمي المكسور المدد جثة هامدة يلتقط أنفاسه الأخيرة.

 هي لم تخبره إنها تشم رائحة أنثى تحت ياقة قميصه، وأن الثلج قد أحرق صبابة جسر الحديث بينهما. صامت عن الكلام المباح عندما لاح لها الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. 

أما هو فعندما استفاق من غيبوبة الزمن أرسل رسائل وتسبية برودكاست جماعي للوتسبيون والوتسبيات ولها: صباح الورد والفل.

وكعادتها أرسلت له رابط القصة القصيرة التي كتبتها "لوثة الكلام" في صفحتها الإنترنتية على وتسبه، وكعادته لم يفتح الرابط ليقرأ ما كتبته. 

 

نجاة الشافعي  

٢٢ ابريل ٢٠١٩م

upload.jpg

 تصوير نجاة الشافعي منتزه سيهات ٢٠١٩ م

عيدٌ بلا ملامح

 

هل من عيد من جليد
نلهو به قليلاً
نتلبس البسمة حيناً
وننتزعها حيناً
ريثما يذوب شمع الشفاه؟

 

كأعيادٌ حميمةٌ
هدرها جنون الفقد
بترها البــحـر
ضفة مالحة للنساء
وضفة مُرَّةٌ للغرباء

purple

 

وأخرٌ يتبعها جدب
نفقت جيادها هجراً
وطأت أقدامها جمراً
قبل أن تسير

 

بلا ملامح
أقبل عيدٌ مبسترٌ
معتقٌ على سقف كرم
يكابد نشوة تحدرت
من أصلاب النخيل

 

نافرٌ ظله
أنغرز في حفرة
فقد ريقه
فهجرته بلابل الإمتاع

 

تناثر ريشٌ غزيرٌ
من ذيل السماء
طائر الفينيق يحط
يختال في صدره

 

غريقٌ سقط دلوه
عندما سقى الرعاة
سلبوا ألوانه فجرا
فما عاد ينتظر لون الفرح

 

حين ضل طريقه
حامت روحها حول العش
ريح الشمال تشعل رأسها
تبيت على شوكة

 

رماد عجنته يد الفوضى
أغصانه تنغمس في عروقها
مرارته تذوب في ماء عينيها
ما أكثر الأعياد
وما أشقاها

 

هل كان ضيفا أثقلته جراحاتها
أم حلما بريئا بترته أصابع اللهو
قبل أن يستوي في المهد
أم مزاجا سيئا جمح به القدر؟

 

أقرأوا كل ما مر من الأعياد
من منها صحيفته بالألوان
يقطر حبرها بماء الزهر

 

لذا خيروا العيد القادم
بين أن يسير بدون ورقة توت
أو أن يغفو في حضن غيمة
فقد فرغ كيسه من الدهشة
وسنفتقده حتى بعد أن يأتي

 

وارتدوا
هالته البيضاء
أو سره الأعظم
فليس للعيد
سوى عنق زجاجة
وللبهجة ألف مرآة
وامرأة

25/10/2006

ثالث أيام عيد الفطر السعيد