ديكنسون والهيدروجين

أحُس أني من كثرة قراءة شعر أميلي ديكنسون والكتب التي كتبت عنها قد تقمصت شخصيتها. هي تعتزل الناس وتكتفي بالنظر من نافذتها الصغيرة وأنا أيضا أغلق النوافذ والأبواب وأكتفي بالنظر إلى شاشة الكمبيوتر والجوال والآيباد. هي تكتب الشعر وأنا أيضا أهوى قراءة وكتابة الشعر ولدي هوايات أخرى: التطريز والكروشيه وإعداد الكعك والشاي مشروبي المفضل وعشقي الذي ليس له حدود

 

حتى بعد تقاعدي أستيقظ في السادسة كل صباح.  كل يوم أجلس على نفس الكرسي في غرفة المكتب. كالعادة الستارة مُنسدلة والغرفة معتمة ومصباح صغير يضيء المكتب. لا أفتح الستائر خشية أن يتسلل النور فيُعشي بصري. تتحسس عيناي من الضوء منذ أجريت عملية الليزر قبل خمس وعشرين سنة. لذلك أرتدي نظارة خاصة معتمة للنظر إلى شاشة الكمبيوتر. أضع كأس الشاي بالقرب مني على قطعة قماش مزخرفة بورود حمراء صنعتها بنفسي. أرتشفه على مهل ثم اشرب كأس ماء لأن ريقي يجف بعد شرب الشاي. الآن الكل يذهب للمقاهي ويتحدث عن القهوة ويضعون صورها في وسائل التواصل الاجتماعي لكني أكرهها منذ طفولتي. كانت أمي تمنعنا من شربها وتقول إنه عيب شربها للفتيات. البعض يسلط الأضواء هذه الأيام على شاي الكركك أي الشاي بالحليب وهذا أيضا أمقته حتى الثمالة فهو مجرد سائل حليبي له طعم مقزز. ما أفضله هو الشاي الأسود التقليدي شاي الوزة وليس أكياس الشاي. أغليه في الأبريق فيصبح أسودا محمرا أخلطه بقليل من الماء المغلي الصافي وكثير من السكر وأحيانا أضيف له بتلات من الورد الجوري لتعطيه طعم ماء ورد منعش

 

الشاي يعني لي إعادة برمجة مخي. عندما استيقظ من النوم رأسي يكون في دوامة يمتزج فيها الحلم بالحقيقة. عندما استيقن أنني في الواقع ابدأ أفكر فيما ينبغي علي إنجازه من مهام خلال اليوم. علقت على الثلاجة قائمة طويلة وجداول لأتذكر مهام اليوم والأسبوع والشهر والسنة. لا أستطيع أن أفكر أو أعمل أي شيء بدون أن أكتبه وأراه أمامي واتفحصه مليا. عملت من القائمة نسخة في الملاحظات على الجول لكي أستطيع الاطلاع عليها في أي مكان وفي أي وقت أشاء. كذلك صورت القائمة الورقية واحتفظت بها في البوم الصور في الجوال والآيباد والكمبيوتر. يؤرقني الزمن وضياعه وخاصة الآن في خريف عمري. الوقت طائر يجب اقتناصه قبل أن يفر من أيدينا. لذلك الساعات تملأ منزلنا يضعها أبي الذي يؤرقه مثلي الزمن في كل مكان. حتى في الحمام لدينا ساعة بيضاء معلقة على الجدار وأخرى وردية على شكل دجاجة

 

تعيش في هذه الفترة من حياتها بما يسمى بالإنجليزية “her own bubble” وهي عبارة ليس لها مرادف دقيق في العربية. يمكننا جزافا أن نترجمها إلى فقاعة أو قوقعة أو حيز. هي تسميها هالة أو حقل من حقول الطاقة مثل التي تحيط بالنواة في الذرات ويسبح فيها الالكترونات. كم عشقت الفيزياء وبالخصوص الذرات! ودت لو تسبح فيها للأبد. صنعت مجسما لذرة من كرة بيسبول خضراء وطلتها بالأزرق ثم أحضرت كرة تنس طاولة بيضاء صغيرة ولفتّ حول خصرها النحيف سلك نحاسي أوصلته بالكرة الخضراء. حملت المجسم ورأته زميلتها التي اعتمدت عليها لعمل المشروع فقطبت حاجبيها ونهرتها: "لماذا لم تتبعي ارشادات المدرسة لعمل المجسم كما أوضحت لنا عشرات المرات وعادت وزادت وكتبته على السبورة وكتبناه في كراريسنا. هي تريد ذرات بها أكثر من الكترون وأنت وضعت واحدا فقط!" أجبتها: "لكني أحب الهيدروجين! ذرة بها نيترون واحد ويطوف حولها الكترون واحد." واصلت زميلتها: "لكن هذا لن ينفع لدرسنا وسنأخذ صفر للمشروع! ثم طلاء المجسم يجب أن يكون الالكترون أحمرا ليمثل الطاقة التي به والنواة بيضاء وأنت لم تتقيدي بهذه الألوان". أحابتها: "لكن الإلكترون يطير بريشه الأبيض والنواة هي السماء والبحر التي يحلق فيهما." احتدت زميلتها قائلة:" خلاص، خلاص! خبئيه في كيسك وأعيديه إلى بيتك. لا تريه أحداً! سأقول للمدرسة أننا نسينا المجسم وسأعمل واحدا أحضره الحصة القادمة لنأخذ درجة عالية وليس صفرا". هززت رأسها بانكسار وحبست الدموع في عينيي

 

ما زالت أحتفظ بالمجسم أضعه على رف مقابل مكتبي. لا ولم يفهمني أحدا، زميلاتي ومدرسة العلوم ووالدتي. الهيدروجين أبسط العناصر وأهمها يدخل تقريبا في كل شيء. منه يتكون الماء الذي نشربه والهواء الذي نتنفسه. ترى كل الأشياء حية حتى الجمادات تتنفس وتتحدث بلغة خاصة بها. حتى الجسد في حالة تغير وكل الخلايا تتغير. خلايا تشيخ وخلايا تولد وخلايا تنقسم وخلايا تلتحم وخلايا تندمج تتغير كل يوم حركة دائمة متقنة. الالكترون يحلق كما هو الأمل في قصيدة أميلي ديكنسون: الأمل هو ذلك الكائن ذو الريش. الحروف والكلمات تدور في رأسي مثل الالكترونات والبروتونات وتباغتني وأنا جالسة ونائمة تقلقني قد تكون القصيده متعثرة ولادتها أو قيصريه أو سلسله أضع بجوار المجسم صندوقا أحتفظ فيه بريش الطيور كلما سرت ورأيت ريشة وضعتها في الصندوق. لقد امتلأ حتى رمته ربما أحتاج إلى آخر

 

دق جوالها فلم تجب كعادتها. جرت كرسيها المتحرك من خلف المكتب. اتجهت للمطبخ لتحضر لها أبريق آخر من الشاي على أمل أن تكتب قصيدة جديدة ستسميها ديكنسون والهيدروجين

 

نجاة الشافعي

11/7/2019

قراءة في قصة انفجار للكاتب كاظم الخليفة

مِثلُ سجادةٍ أعجميةٍ فاخرة نُسجت بخيوطٍ حريرية دقيقة، تتمعنُ في نقوشها الآسرة، فتنثالُ الألوان في رحلة بصرية أخاذّة، تسحرك الصورة الكاملة، ثم تتوغل في تفاصيلها البالغة الحيوية، يتفجر الجمال من كل عقدة في السجادة، هكذا شعرتُ وأنا أقرأ القصة القصيرة "انفجار.." للكاتب كاظم الخليفة والتي تتصدر مجموعته القصصية: "مائل بخط الرقعة"، والحائزة على المركز الثاني في مسابقة نادي حائل الأدبي في عام ٢٠١٨م، وسوف أتطرق في هذه القراءة الإنطباعية إلى بعض الملامح التي أتضحت لي من قراءة قصة: انفجار 

حَبْكُ النهاية بالبداية

من ذروة الحدث كانت بداية النص في حبكة شيقة حيث تبدأ القصة بعبارة "انتهى كل شيء الآن..، وخبا بريق ألسنة اللهب والدخان المنبعث من غرفة الاحتراق الداخلي لمولد الكهرباء بعد انفجارها" يلي ذلك وصف السارد بصوت المتكلم المشارك لمشهد الدمار الذي حل بسبب هذه الكارثة التي طالت الحجر والبشر، فيبّين:" نخوض في وحل ذلك المزيج الرمادي من مياه إطفاء الحريق الممتزج ب "الرغوة" وبعض الزيوت المتسربة" ثم يعرج على الضرر البشري: "وعلى جانب المصطبة بقايا ملابس ممزقة ومنكمشة بفعل الحريق، وكذلك بعض الأحذية المشوّهة” تخلل المشهد لحظة تواصل إنساني بين السارد وعبد الله وهو مشرف النوبة في مشهد مؤثر: "يشد عبدالله على يدي ويضغط عليها بوتيرة متسارعة وهو يبعدني عن مكان الإسعاف. لكنني ألمح في وجهه مسحة إشفاق 

نَسجُ المكان والزمان

يعود الراوي إلى لحظة سماعه بالخبر باستخدام تقنية الفلاش باك، واستيقاظه في الصباح الباكر، وتتضح لنا من هذا المشهد أن الشخصية الرئيسية في القصة هو "مشرف الصيانة" والذي يُطلَب منه كتابة تقرير عن الحادثة المؤسفة. وبعد أن وضّح السارد الزمان والذي تحدد بحادثة الانفجار التي سبقتْ الاتصال بمشرف الصيانة في الفجر، حددّ لنا أيضاً المكان وهو يتكون من معامل نفطية ومجمّع سكني وسط الصحراء، والمعمل يصفه الراوي بأنه يشكل "بيئة صناعية" ذاماًّ إياها بأنها: "تذيب أي معنى روحي وتطلع ميتافيزيقي، تنطبع روحك بما يجاورها في البيئة.. مادية صارمة وجفاف كتصحر الأراضي المحيطة بالمعامل". ثم يصف بشاعة هذه المعامل التي تسلب الروح بأنها "تنتصب مثل عفاريت ألف ليلة وليلة. غربة أخرى وتلاشي حس الحياة"، والمكان الثالث المتحرك هو الطريق أو الشريان الذي يربط بين المجمع السكني والمعامل حيث ينتقل مشرف الصيانة بالسيارة من المجمع السكني إلى المعمل البعيد واصفاً الطريق بسخرية مُرّة: "الجمل هو الشيء الوحيد الذي ينظر إليك هنا.." ويذكر أن المعمل المقصود هو معمل نفطي واصفاً ذلك "وعندما تفقد إحساسك بالمكان وتشعر بثبات الزمان، يُرجعك من إغماءاتك مرأي بعض المنشآت البترولية المتباعدة

اللبّ

ومن القشرة نَلِجُ للثمرة أو لبّ القصة حين تتداعى أفكار مشرف الصيانة من كتابة التقرير عن كارثة انفجار المعمل إلى وظيفة اللغة في حالات مثل هذه حيث تتقلص اللغة عن التعبير عن الحدث الذي يحمل بشاعة الحدوث من جهة ومن جهة أخرى بشاعة التعبير عنه بلغة آلية باردة فيذكر التالي: "تقتضي كتابة التقرير التقني أن يكون الاعتماد على مرويات الآلات وشهاداتها وليس البشر." وكأن اللغة استحالت أيضاً إلى مُعّدة من المعدات أو مكينة من المكائن، ليست اللغة فقط التي تصحرّت؛ وإنما الإنسان الذي ينتج هذه اللغة عندما يعيش في البيئة الصناعية التي تسحقه. يرسم السارد على لسان "مشرف الصيانة" التباين والفرق الجلي بين البيئة البحرية والزراعية واللتان تحملان طابعاً إنسانياً، والصناعية المتصحِرة حيث يتجرد الإنسان من الروح ويصبح جزء من الآلة الهائلة التي تحرك الاقتصاد، فمثلاً الشخصية المحورية في القصة نعرف وظيفته كمشرف الصيانة ولا نعرف له اسم، لأنه فقط رقم في سجل الشركة فيوضح الراوي ذلك ساخراً: في البحر أنسنوا المراكب، منحوها أسماء أحبائهم، كما هو تقليد قريتي في تسمية المزارع ونعوتها. ونحن هنا "مكننا" الإنسان فهو ١٢٣٤ يُعطى أمراً بالعمل على المعدة رقم… المدرب الأمريكي في معهد الشركة أفاض في وصف معدة وأجزائها، ثم قارنها بالحيوان. الحيوان أيضاً آلة مثل (الساعة تحكمها اللوالب والدواليب).. فقدنا إذاً شريكنا في الكوكب.. الحيوان؟! وفي نفس السياق يُذكَر أن الموظف قد تحول إلى رقم: "أليس الجسد هنا هو أحد الموارد ومن أصول الشركة الثابتة؟

يشركنا السارد في رؤيته للإنسان والوجود ويطرح مفارقة بين العقل المادي والعقل النظري: "علاقتنا بالمعامل شبيهة بارتباطنا بهذا الكون! تتّفق البشرية على الغاية من الجهد المبذول ومقابله في العمل وتختلف في معنى الوجود وغايته!" وفي سياق آخر يصف إحساس مشرف الصيانة وهو يربط جسده في المركبة بحزام الأمان: "هو إحساس مفعم بالتيهان وضياع بوصلة الوجود أن تكون مجرد رقم وظيفي في منظمة صناعية تعمل على مدار الساعة". لذلك تعكس القصة شعور بالاغتراب وعدم الانتماء في البيئة الصناعية القائمة في وسط الصحراء والتي تُشَيّء الإنسان فيصير برغي في آلة وأداة للإنتاج فتسحق بذلك مشاعره واحتياجاته وأحلامه

الاستشهادات

في نطاق القصة يتم الإحالة إلى بعض الاستشهادات، والتي أزعم أنها تدعم العمود الفقري للقصة وبنيتها السردية في موارد شعرتُ بأنها طبيعية وليست مقحمة لتضيف للقصة جنبة دلالية عميقة. أول الاستشهادات أبيات الشعر للشاعر المبدع وبطل المعلقة، الشاعر جاسم الصحيح، وبهذه الأبيات يستهّل القصة، وهذه الديباجة ليست من المألوف في عرف القصة القصيرة، وهي كالتالي

إذا انفردَتْ بِيَ الصحراءُ كالعــــــرَّافةِ الكهْلَهْ

وصار الدربُ ثعبانــاً بطول مســــافة الرحلَهْ

وحاولتُ الصلاةَ هناكَ لكنْ ضـــــاعَتِ القِبلَهْ

أصلِّي باتجاهِ النخــــــلِ حين تعـــنُّ لِي نخلَهْ. 

هذه الأبيات تأتي من قصيدة لجاسم الصحيح عن الأحساء ويلي الأبيات الأولى التالي

هِيَ الأحساءُ قِبلتِــــيَ-القديمةُ والهوى الدائــــمْ

…وليستْ بقعةً بَرَكَــــتْ على صدر المدى الجاثِـــمْ

وتتضح دلالة هذه الأبيات وارتباطها بالقصة عندما نبحر في النص، ونصل إلى نهايته حيث الراوي يريد أن يوصل فكرة أنه في خضم رحلة الضياع والوجع في الصحراء والتي لا تدل على بيئة جغرافية فقط وإنما على كل ما هو متصحر من الحضارة الإنسانية بسبب الصناعة، هناك ما زال أمل وهو النخلة التي تربط الإنسان بالأرض وهي رمز للهوية والانتماء، هذه الصورة المضيئة مقابلة للصورة القاتمة للإنسان الذي يغدو برغي في آلة الإنتاج، والرقم الذي يدفع بعجلة الاقتصاد

في إحالة أخرى تمتزج التقريرية أو السحنة العلمية بوصفية عالية تفعلّ الحواس الخمسة ومداراتها؛ فلذلك لا تخلّ بتوازن النص ولا تشعر المتلقي بالملل أو فقد الاتزان، ومثال على مهارة الراوي في تشبيك التقريري بالساخر ليدل على استغلال الإنسان في منظومة الاقتصاد حيث يُنظَر له فقط كأداة للإنتاج أو حمار يُدِير الرحى: "كم أمقت جون بولتون ونظرية الإنتاج ومدرسته "الإدارة العملية"، هو من قاس نشاطك وساعات وجودك في منظومة العمل ويطالبك بمقدار معين من الجهد.. هل يقصد جهد ثلاثين حماراً في اليوم؟"  وفي إطار توضيحه لتحول الإنسان إلى آلة يذكر ساخراً "وبالمقابل "سارتر"، الفيلسوف الفرنسي، شطح بالفكرة بعيداً.. فكما ينقله مهندس السلامة الأمريكي ممازحاً: العامل خلف الآلة يشعر بخيالات ورؤى جنسية.. ليغفر له الله وليقف نصف ساعة أمام غرفة الاحتراق في ماكينة.. لن يتراءى له سوى الجحيم. ذلك كان ردنا حينها

النقطتان المتتابعتان (..)

مما لفت نظري كثرة استخدام الكاتب للنقطتين المتتابعتين ".." وهي ليست من علامات الترقيم الأساسية في اللغة العربية، بل صارت تستعمل حديثاً في الشعر والنثر، استخدمها الكاتب ليس فقط في عنوان النص بعد كلمة "انفجار.." بل أيضاً بعد العبارة الأولى في النص: "انتهى كل شيء الآن.." واُستخدِمت نفس هذه العلامة "الفارقة" في أكثر من مرة في داخل النص بشكل صار يميز هذا النص القصصي عن غيره من النصوص، وكأن النقطتين صارتا محوريتان في لحمة النص أو كأنها متوالية حسابية تعتمد على النقطتين، فعلاما ترمز ولماذا استخدمت؟ لاحظت إنها توضع في نقاط مفصلية في النص وليس جزافاً كشفرة مورس تدل القارئ الحاذق على منابع الألم والشجن والتمزق في ذات السارد أو في إشارة إلى أن هناك ما يتبع، وعلى سبيل المثال: "الظلام ما زال متمدّداً وجاثماً في الصحراء.." وفي مورد آخر "الصحراء تسر لنا بالاقتضاب في الحديث.." وفي: "أساطير يغيب عنها الحب.." و "الأسبوع الأول.."، "شيئاً فشيئاً تدير ظهر لسانك وتشيح بفمك عن أبجديتك.."، "تهرم لغتك ومن يهرم ننكسه في العمر".. ، "وإن شعرت أنها لا تكفي فزينها بلغة جسدك المتخشب.."، "وليقف نصف ساعة أمام غرفة الاحتراق في ماكينة.."، "كل فرد يؤدي دوراً محدداً ومرسوماً بعناية.."، "الرمل الأصفر يشعرك أنّك محتل.."، "في الأرض كما هو الفضاء.."، "المعدات التي تسرها منظومة آلية في التحكم..".  من وجهة نظري، هاتان النقطتان المتتابعتان قد تكونان صرختي وجع مكتومة تغص بها الحنجرة بحيث يتوقف الكاتب ليدع للقارئ مساحة من التفكير  

لغة الآلات

اللغة التي تستعمل في المعامل والآلات هي لغة مناوئة، لغة غريبة عن بيئتها، لغة تعلم الرضوخ ولغة الأرقام التي تُشَيّء الإنسان، فالمفردة متلازمة مثل متلازمة مرضيه، فيُذكَر في النص أن: "يس" مفردة تصبح متلازمة لفظية تبتر بها كل حوار.. وربطها بما تلاها فقال: نجحتُ في اختبار الترويض وأصبحت مفكاً آخر في صندوق معدات المعمل. إذاً، "يس" اللفظة الإنجًليزية المرادفة لكلمة "نعم" في العربية نجحت في ترويض الإنسان ليصبح جزءاً من الماكنة الكبيرة. وفي هذا السياق يوضح السارد جنسية مهندس السلامة الأمريكي المثقف الذي ينقل لهم ما يقوله سارتر المفكر الفرنسي. ويذكر جون بولتون الأمريكي ونظرية الإنتاج والإدارة العملية، وأخيراً ترقيم المعدة بأرقام إنجليزية

نهاية الحكاية

أخيراً، كتب مشرف الصيانة التقرير التقني والذي يصفه بوجع: "يكون الاعتماد على مرويات الآلات وشهاداتها وليس البشر باسترجاع ذاكرتها الإلكترونية والانشغال بفكّ شفراتها لفهم حقيقة وشايتها على أوضاع سبقت انفجار المكينة" ثم يسترسل في ذكر بعض النقاط التفصيلية في التقرير بطابع تهكمي لاذع، ويشير السارد إلى أن "بقية التقارير كانت باللون الأحمر وتشير إلى معلومات غير منظّمة وليست منطقية في تتابعها.. كانت لحظة الانفجار

 وفي الخاتمة تفاجئنا القصة بمأسوية لم تفصح عنها في بدايتها حيث تم ذكر فقط المصابين الذين ادخلوا للمستشفى، وقد تكون هيأت لذلك بشكل ما فالإصابات الخطيرة قد تؤدي للوفاة. ونفسه عبد الله مشرف التشغيل، والذي ذُكِر في بداية القصة يظهر من جديد وفي تواصل إنساني عاطفي يستخدم يديه كما في بداية القصة، فِعلٌ لا تستطيع الآلات والماكينات القيام به. يوضح المشهد مشرف الصيانة

"عند هذا الحد من تلخيص التقرير، كان مشرف التشغيل عبدالله يقرؤه من وراء ظهري وأنا جالس، وأشار بإصبعه المرتجف إلى فقرة (الانفتاح والإغلاق المتكرر لصمّام الوقود) ويضغط بيده الأخرى على كتفي: كان صديقك سلمان في الموقع بجوار الماكينة.. بحثنا عنه طوال الليل إلى الفجر ولم نجده. كان يرثيه ويواسيني لفقده

وهنا هبط الحزن واعتصر قلبي فتذكرت حدثاً مؤلماً في طفولتي، تذكرت ألم جيراننا والحي بأكمله، بل البلدة كلها حين فقدنا جارنا "عيد السيهاتي" "أبو أحمد" جيراننا الذين يسكنون في البيت المقابل لبيتنا، والذي أحترق وتفحم جسده تماماً عندما انفجرت الرفاينري مصفاة رأس تنورة وتيتم أطفاله وهم صغار ولم يبقى شيء لدفنه. وتذكرت زوج صديقتي من صفوى والذي قضى أيضا في حادث مشابه في انفجار المصفاة، وترملت صديقتي في ريعان شبابها. تذكرت الثمن عندما تخطأ الآلات أم من يُشغِلُها

أثر الفراشة

كيف تعرف أن النص القصصي جيد أو أن القاصّ قد أحرز في نصه قدراً من الجمال والابداع، أعتقد كقارئة أن ذلك يتضح بما تتركه القصة بعد قراءتها من أثر في نفس المتلقي فكراً وروحاً، وكأن النص قطعة حصى تلقيها في الماء فتشهد تموجات وكلما كانت الحصى أثقل كلما زادت التموجات وهذا أتضح في نص: انفجار.. الذي حاول تحريك الراكد من المشاعر والأفكار أو بالأحرى طرح تساؤلات فلسفية وجودية عن الآلة ودورها وتحكمها في حياة البشر، وكيف صارت تسيطر الآلة وتحل محلّ الإنسان، وتسبب له الدمار وكيف أثر ذلك في كيان الإنسان فصار يحسّ بالاغتراب وعدم الانتماء لبيئة تستغله وتُشَيّئه

النص القصصي "انفجار.." متلاحم في شكله وتفاصيله ورؤيته ويشير بأصابع الاتهام للحضارة والبيئة الصناعية، وسحق الاقتصاد للإنسان، والتعامل معه كبرغي في آلة، ولا يدفع الثمن لهذا الاستغلال سوى الإنسان كسلمان، صديق مشرف الصيانة. يتم الإفصاح عن اسم "سلمان" وليس صديقه مشرف الصيانة، فعندما مات سلمان في انفجار المعمل عادت له إنسانيته، تحول من رقم إلى إنسان فالآلات لا تموت

 

القاصّة: نجاة الشافعي

٢٦ /٣/ ٢٠٢٤م

 

 

 

الناجي الوحيد

النَاجِي الوحيد

في تمام السادسة صباحاً سارعتْ ذات القدمين الدافئتين لارتداء النِعَال العتيق الذي ورثته من والدتها. ذهبتْ إلى الخبّاز، ووقفتْ كالعادة تنتظر دورها في طابور تتدحرج فيه أحاديثٌ ألِفوها عن القصف الشرس والغارات المتواصلة والحصار الغادر، وعن انقطاع الكهرباء وندرة الماء، والغذاء، والدواء، وعرجّت الأحاديث المترعة بالشجن إلى تعداد أسماء العائلات التي حُصِدَت من السجل المدني في غضون ساعات. عادتْ للمنزل مثقلة بالهموم، فقط ثلاث أرغفة من الخبز سيقتسمونها حتى صباح اليوم التالي، ونزعتْ النعال لتعّد الفطور في المطبخ.

استيقظ في السادسة والنصف صباحاً ذا القدمين الباردتين، ولبس النعال مهرولاً نحو الباب. ذهبتْ لتوقظه فكان فراشه بارداً مثل قدميه. حسبته في الحمام فعادت للمطبخ. لم يجد سجائراً في السوق فعاد لاهثاً يحمل ربع بطيخة مفلوقة، ذات غلاف لامع أخضر، وجوف شهي أحمر، وترك النعال المـُـنهك عند الباب.

لبستاه قدمان سريعتي الإيقاع، وغاصتا فيه. كانتا قلقتين، فقد أوشكت باقة الانترنت على النفاد. فتحتا الباب وخرجتا لتبحثا عن طوقاً للتواصل مع من تبقى من أصدقائه؛ لكنهما عادتا حانقتان فلم تجدا ما تبحثان عنه؛ فلقد نفدت باقات الاتصال بالعالم الخارجي. خَلَعَ فردتي النعال المكتئب، وألقى به عند باب الحمام.

أمسكت بهما يد بريئة. تخيلتهما طائرتين نفاثتين تحلقان في السماء. دمدمت ضاحكة وهي تلعب فتحلقت حولها الأقدام الأخرى مبتهجة. فجأة انقلب عاليها سافلها، وأمطِروا بحجارة من سجيل. سقط النعال اليتيم تنزِف منه أحلامٌ بيضاء: أرغفة خبز وعلبة سجائر وباقة انترنت ولعبة طفل.

نجاة الشافعي

The artwork is mixed media on paper using water colors, wax and matches.

نجاة الشافعي

٢٥ أكتوبر ٢٠٢٣م

وَعْدٌ طائر


دقّ الجرس

لم أفتح له

تسلل من فوق السور

.ليدخل عشي

الكناريُّ الأصفر

صار طيري

بعد أن هاجر ابني

.وأودعني جناحيه

أطعِمُه الحَّب

أغذِّيُه بالحُّب

وكلما غنى لي

.يُدمِي قلبي

 

:ابني يهاتفني

ماما! هل كَبُر طَيرِي؟

!كَبُر مِثلُك

 ماما! هل نَسَانِي؟

لا! يغرد باكياً

في الصباح

.وحين يضع رأسه على الوسادة

نكثتُ بعهدي لابني

نسيتُ إغلاق الباب

خرج منه

ومع ذلك ظلّ واقفاً

.ينتظرني عند باب القفص

 

كتابة وتصوير: نجاة الشافعي

٣٠ ديسبمر ٢٠٢٣م

 

 

 

 

 

An analysis of Students’ Needs in an ESP Course

An increasing number of Saudi universities implement English for specific purposes (ESP) programs for students who will specialize in different fields such as, medicine, science, engineering and business. Universities rarely conduct studies of the actual needs of students to design or develop the ESP courses. Administrators and/or senior professors usually design ESP courses according to what they feel the students need and do not take into consideration perspectives of students, teachers and other stakeholders like potential employers.

Read More

لوحة

ولدتُ بالشجن

رفيقي الشفيف

شجني جمرات متقدة

مراثي العشق

وموانئ الانتظار

بدأت أطير منذ كنت طفلة

بأجنحة وبدونها

ما زلت أطير

.أتشبث كالأمل بريشة حمامة

في مدينة جديدة تتدثر برائحة البحر

التقينا بين صفحات كراسة عتيقة

ضمتنا بحور الشرق والغرب

تصبّ أنهار الألوان في المحبرة

.مِدادُ الحلم طين لا ينفد

اللوحة سنرسمها

سرنا المختوم

طريقة صوفية

تطوف بين عينيها

تلبي باسمها

.في حرم المدينة الأزلية

 

كلما ضربت بفرشاتك

وقعت امرأة في شباك لوحاتك

وأنتَ تستلّ حزنهن من دموعهن

ترسم بهجتهن بالأحمر

.تتوحد بهن في النور

 

لم أفهم لغة الحب يوماً

أو تباريح الغرام

لأني طفلة

تضحك وتلعب

تسير وتتعب

.طفولتها لا تنضب

 

سرّ العاشق

تبوح به رعشة اللون

في القلب يتوهج

الرسم والرسام

الفنان والدّهان

هل نحن من نَرْسُم أم نُرْسَم؟

لوحة في حلّة فستان باذخ

تتنفس بالألوان

تبرز مسامها كالسهام

تفصح عن دقائق تفاصيلها

بياضاً مترعاً بالبهجة

إياك ثم إياك

.أن ترسم امرأة بالرصاص

 

المرأةُ سِفْرُ الوجود

والرجلُ امرأة أخرى

الألفة لاصق غير مرئي

المودة لا تشتعل ولا تخمد

.الحب لا تجده إلاّ عند الخابية

 

في نهاية كل طريق

نَصِلُ للبدايات الأولى

لا نعرف سوى طعم الكرز

وبلبلٌ يشدو في القلب

أثمَّ سيرٌ ومَسِير؟

وردة بأي اسم آخر”

“.ستكون رائحتها جميلة

كتابة ورسم

نجاة الشافعي

٢٥ نوفمبر ٢٠٢٣ م

الاقتباس من مسرحية روميو وجولييت لشكسبير 

 

 

المقهى أم الممشى

المقهى أم الممشى

 

زوجة أعلنت براءتها من زوج عقيم! لاكت سمعتي الألسن. صَبَّوا جَامَ غَضَبِهِم عَلَيْ، من يعرفني ومن لا يعرفني. هجرنني حتى الصديقات، وعشت وِحدَة مطبقة فتكت شيئاً فشيئاً بأعصابي؛ لذلك أدمنتُ الحبوب المهدئة وتحسين المزاج. وبعد أن مهدوا الطريق، وصبوا فيه الاسفلت صار هناك ممشى للحيّ. صار المشي رفيقي الدائم، سلوتي وعزائي. وعاد قلبي ليحيا بما أسقيه فيه من أمل، وفي الممشى قدمت دعوة مفتوحة لرجل آخر ليقطع الطريق معي بعد أن هدأت عواصف الداخل والخارج.

 

جلسنا نلتقط أنفاسنا بعد أن ذرعنا الممشى ذهاباً وإياباً خمس مرات. كانت لقاءاتنا كلّها عن طريق الصدفة المتعمدة. أشاهده من شرفتي يذرع الممشى فأسارع بالنزول. عندما نلتقي كلانا يصطنع الدهشة. أول مرة أنا دعوته للمشي ثم صار يجيء بمحض إرادته، ومع مرور الأيام أدمنّا المسير في طريق طوله كيلومتر واحد مرصع بشجيرات الورد والنخيل.

 

في أول سيرنا أصاب شفتيّ الخدر. في داخلي أنثى جريحة يصعب عليها البوح. بدأ هو الحديث بعد مسير صامت. قال متوجساً:

 

ـ اًقول لج شي..

 

- أرجوك! وقع العامية على أذني نشاز.

 

- حسناً! عزيزتي. أصارحكِ بأمر ما؟

 

- تفضل.

 

حسبته سيخبرني بما سمعه عني من أقاويل لكنه قال:  

 

- أنتِ أول امرأة تدعوني إلى الممشى بدل المقهى!

 

- أتحب المقاهي؟

 

- أرتادها مع أصدقائي.

 

- بالنسبة لي الممشى ملتقى والمقهى مفترق، والمسافة بينهما قد تطول أو تقصر.

 

- متى بدأتي المشي؟

 

- منذ زمن بعيد. الأحياء فقط يمشون!

 

- متى تمشين؟ كل يوم؟

 

-حسب مزاجي.

 

-أليس من ثوابت؟

 

- لا! يعتمد!

 

- أنت غريبة.

 

- أنا مزاجية.

 

- في أول جملة تبادرين: مزاجي سيء، أو مزاجي رائق، أو شبه متعكر، أو حزين، أو لم أنم كنت أفكر في مشاكل العالم. تصرّحين بحالتك النفسية مثل قارئ نشرة الطقس.

 

- لأنك لا تقرأ ما بين السطور.

 

شعرتُ بأنه تضايق ولاذ بالصمت. مشينا بتؤدة، وبدا ظلينا طويلين كقامات النخيل. انتشلتهُ من حالة التوجس:

 

-  أصارحكَ بأمرٍ ما؟

 

-  ماذا؟

 

- أشعر بأن الكلام معكَ يختلف عندما نمشي عما لو كنا جالسين.

 

- كيف؟!

 

- ألا تشعر عندما نمشى بأن التراب يبتهج لوقع خطانا، أن كل نخلة تنتظر أن نمر بها لتصافحنا، أن السماء تنصتُ إلى حكاياتنا، مسيرنا مثل لحن شجي تتناغم فيه حركة اللسان بالقدم بالقلب بالكون.

 

- كأنكِ تبالغين!!

 

- بلّ أبسّط. أليست الأرض دائرية؟

 

- ويعني؟

 

-إذا مشينا من نقطة نعود إليها، وإذا افترقنا سنلتقي. أليس العالم صغير؟  

 

- نكتشف أن العالم صغير جداً حين نعبر جزءً منه.

 

- والعكس صحيح.

 

- لا تكوني متشائمة، الفراق لن يحصل! أنت محور دائرتي.

 

- هل تعني كل ما تقول، وتقول كل ما تعني؟

 

- بالتأكيد! وأنتِ؟

 

- أنا.. أنا أقول ما لا أعني، وأعني ما لا أقول.

 

- هذا طلسم.

 

- أليست الحياة طلاسم؟!

 

- غموض أحياناً، وليست طلاسم. أنا واضحٌ كالشمس، أما أنتِ فغامضة كوجه القمر الخفي.

 

- بل يقال إن الرجال من المريخ والنساء من الزهرة، وأننا نفصح عن مشاعرنا بينما أنتم تخفونها. أتدري أيها المريخي نسيتُ أن أسألك ما هو لونك المفضل، أو متى عيد ميلادك أو كتابك المفضل، ووو..؟

 

- أيتها الزهرة. أنتِ لوني المفضل، ولادتي عندما عرفتكِ، وأنتِ كتابي، وأنتِ صديقتي و..

 

- إذاً أنتَ من أنتظره طويلاً، فليس لي رفاق.

 

غالبتُ دمعةً مدويةً كادت تسقط فيسمعها. ارتجفتْ يدي:

 

- لا أدري لم أشعر بالبرد رغم أن في داخلي كتلة من اللهب.

 

قدم لي معطفه فغصت في رائحته.. مخدّرة مثل زهر الليمون.

 

في المذياع تصاعد صوت ناعم للمذيعة:

 

- الخطوط مفتوحة! ستُغلق بعد قليل.

 

- أسمعتِ ما تقول؟

 

- تقول الخطوط مفتوحة.

 

- أي خطوط؟ الحمراء؟

 

- الهاتف طبعاً.